موضوع مغلق
 
 
أدوات الموضوع  
قديم 14-08-2010, 07:10 PM   #31 (permalink)
هتون سلطان
مـراقـبـة عـالـم حـواء
قروب فزاع للترحيب والتشجيع


الصورة الرمزية هتون سلطان

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 43476
 تاريخ التسجيل :  Sep 2007
 أخر زيارة : 08-12-2011 (09:09 PM)
 المشاركات : 24,622 [ + ]
 التقييم :  1445
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: ديوان أديب ..... {محمود درويش}



يُنقبُ عن دَوْلَةٍ نائمةْ



هنا، عند مُنْحَدَراتِ التلالِ، أمام الغروبِ وفُوَّهَة الوقت،
قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِّ،
نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ،
وما يفعلُ العاطلونَ عنِ العمَلْ:
نُرَبِّي الأمَلْ.
بلادٌ علي أُهْبَةِ الفجر. صرنا أَقلَّ ذكاءً،
أَنَّا نُحَمْلِقُ في ساعة النصر:
لا لَيْلَ في ليلنا المتلألئ بالمدفعيَّة.
أَعداؤنا يسهرون وأَعداؤنا يُشْعِلون لنا النورَ
في حلكة الأَقبية.
هنا، بعد أَشعار أَيّوبَ لم ننتظر أَحداً
سيمتدُّ هذا الحصارُ إلي أن نعلِّم أَعداءنا
نماذجَ من شِعْرنا الجاهليّ.
أَلسماءُ رصاصيّةٌ في الضُحى
بُرْتقاليَّةٌ في الليالي. وأَمَّا القلوبُ
فظلَّتْ حياديَّةً مثلَ ورد السياجْ.
هنا، لا أَنا
هنا، يتذكَّرُ آدَمُ صَلْصَالَهُ
يقولُ على حافَّة الموت:
لم يَبْقَ بي مَوْطِئٌ للخسارةِ:
حُرٌّ أَنا قرب حريتي. وغدي في يدي.
سوف أَدخُلُ عمَّا قليلٍ حياتي،
وأولَدُ حُرّاً بلا أَبَوَيْن،
وأختارُ لاسمي حروفاً من اللازوردْ
في الحصار، تكونُ الحياةُ هِيَ الوقتُ
بين تذكُّرِ أَوَّلها.
ونسيانِ آخرِها.
هنا، عند مُرْتَفَعات الدُخان، على دَرَج البيت،
لا وَقْتَ للوقت.
نفعلُ ما يفعلُ الصاعدون إلى الله:
ننسي الأَلمْ.
الألمْ
هُوَ: أن لا تعلِّق سيِّدةُ البيت حَبْلَ الغسيل
صباحاً، وأنْ تكتفي بنظافة هذا العَلَمْ.
لا صدىً هوميريٌّ لشيءٍ هنا.
فالأساطيرُ تطرق أبوابنا حين نحتاجها.
لا صدىً هوميريّ لشيء. هنا جنرالٌ
يُنَقِّبُ عن دَوْلَةٍ نائمةْ
تحت أَنقاض طُرْوَادَةَ القادمةْ
يقيسُ الجنودُ المسافةَ بين الوجود وبين العَدَمْ
بمنظار دبّابةٍ…
نقيسُ المسافَةَ ما بين أَجسادنا والقذائفِ بالحاسّة السادسةْ.
أَيُّها الواقفون على العَتَبات ادخُلُوا،
واشربوا معنا القهوةَ العربيَّةَ
فقد تشعرون بأنكمُ بَشَرٌ مثلنا.
أَيها الواقفون على عتبات البيوت!
اُخرجوا من صباحاتنا،
نطمئنَّ إلى أَننا
بَشَرٌ مثلكُمْ!
نَجِدُ الوقتَ للتسليةْ:
نلعبُ النردَ، أَو نَتَصَفّح أَخبارَنا
في جرائدِ أَمسِ الجريحِ،
ونقرأ زاويةَ الحظِّ: في عامِ
أَلفينِ واثنينِ تبتسمُ الكاميرا
لمواليدِ بُرْجِ الحصار.
كُلَّما جاءني الأمسُ، قلت له:
ليس موعدُنا اليومَ، فلتبتعدْ
وتعالَ غداً !
أُفكِّر، من دون جدوى:
بماذا يُفَكِّر مَنْ هُوَ مثلي، هُنَاكَ
على قمَّة التلّ، منذ ثلاثةِ آلافِ عامٍ،
وفي هذه اللحظة العابرةْ؟
فتوجعنُي الخاطرةْ
وتنتعشُ الذاكرةْ
عندما تختفي الطائراتُ تطيرُ الحماماتُ،
بيضاءَ بيضاءَ، تغسِلُ خَدَّ السماء
بأجنحةٍ حُرَّةٍ، تستعيدُ البهاءَ وملكيَّةَ
الجوِّ واللَهْو. أَعلى وأَعلى تطيرُ
الحماماتُ، بيضاءَ بيضاءَ. ليت السماءَ
حقيقيّةٌ قال لي رَجَلٌ عابرٌ بين قنبلتين
الوميضُ، البصيرةُ، والبرقُ
قَيْدَ التَشَابُهِ…
عمَّا قليلٍ سأعرفُ إن كان هذا
هو الوحيُ…
أوَ يعرفُ الأصدقاءُ الحميمون أنَّ القصيدةَ
مَرَّتْ، وأَوْدَتْ بشاعرها
إلي ناقدٍ: لا تُفسِّر كلامي
بملعَقةِ الشايِ أَو بفخِاخ الطيور!
يحاصرني في المنامِ كلامي
كلامي الذي لم أَقُلْهُ،
ويكتبني ثم يتركني باحثاً عن بقايا منامي
شَجَرُ السرو، خلف الجنود، مآذنُ تحمي
السماءَ من الانحدار. وخلف سياج الحديد
جنودٌ يبولون ـ تحت حراسة دبَّابة ـ
والنهارُ الخريفيُّ يُكْملُ نُزْهَتَهُ الذهبيَّةَ في
شارعٍ واسعٍ كالكنيسةِ بعد صلاة الأَحد…
نحبُّ الحياةَ غداً
عندما يَصِلُ الغَدُ سوف نحبُّ الحياة
كما هي، عاديّةً ماكرةْ
رماديّة أَو مُلوَّنةً.. لا قيامةَ فيها ولا آخِرَةْ
وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
فليكن
خفيفاً على القلب والخاصرةْ
فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
من فَرَحٍ .. مَرَّتَينْ!
قال لي كاتبٌ ساخرٌ:
لو عرفتُ النهاية، منذ البدايةَ،
لم يَبْقَ لي عَمَلٌ في اللٌّغَةْ
إلي قاتلٍ: لو تأمَّلْتَ وَجْهَ الضحيّةْ
وفكَّرتَ، كُنْتَ تذكَّرْتَ أُمَّك في غُرْفَةِ
الغازِ، كُنْتَ تحرَّرتَ من حكمة البندقيَّةْ
وغيَّرتَ رأيك: ما هكذا تُسْتَعادُ الهُويَّةْ
إلى قاتلٍ آخر: لو تَرَكْتَ الجنينَ ثلاثين يوماً،
إِذَاً لتغيَّرتِ الاحتمالاتُ:
قد ينتهي الاحتلالُ ولا يتذكَّرُ ذاك الرضيعُ زمانَ الحصار،
فيكبرُ طفلاً معافي،
ويدرُسُ في معهدٍ واحدٍ مع إحدى بناتكَ
تارِيخَ آسيا القديمَ.
وقد يقعان معاً في شِباك الغرام.
وقد يُنْجبان اُبنةً (وتكونُ يهوديَّةً بالولادةِ).
ماذا فَعَلْتَ إذاً ؟
صارت ابنتُكَ الآن أَرملةً،
والحفيدةُ صارت يتيمةْ ؟
فماذا فَعَلْتَ بأُسرتكَ الشاردةْ
وكيف أَصَبْتَ ثلاثَ حمائمَ بالطلقة الواحدةْ ؟
لم تكن هذه القافيةْ
ضَرُوريَّةً، لا لضْبطِ النَغَمْ
ولا لاقتصاد الأَلمْ
إنها زائدةْ
كذبابٍ على المائدةْ
الضبابُ ظلامٌ، ظلامٌ كثيفُ البياض
تقشِّرُهُ البرتقالةُ والمرأةُ الواعدة.
الحصارُ هُوَ الانتظار
هُوَ الانتظارُ على سُلَّمٍ مائلٍ وَسَطَ العاصفةْ
وَحيدونَ، نحن وحيدون حتى الثُمالةِ
لولا زياراتُ قَوْسِ قُزَحْ
لنا أخوةٌ خلفَ هذا المدى.
أخوةٌ طيّبون. يُحبُّوننا. ينظرون إلينا ويبكون.
ثم يقولون في سرِّهم:
ليت هذا الحصارَ هنا علنيٌّ.. ولا يكملون العبارةَ:
لا تتركونا وحيدين، لا تتركونا.
خسائرُنا: من شهيدين حتى ثمانيةٍ كُلَّ يومٍ.
وعَشْرَةُ جرحى.
وعشرون بيتاً.
وخمسون زيتونة…
بالإضافة للخَلَل البُنْيويّ الذي
سيصيب القصيدةَ والمسرحيَّةَ واللوحة الناقصةْ
في الطريق المُضَاء بقنديل منفي
أَرى خيمةً في مهبِّ الجهاتْ:
الجنوبُ عَصِيٌّ على الريح،
والشرقُ غَرْبٌ تَصوَّفَ،
والغربُ هُدْنَةُ قتلي يَسُكُّون نَقْدَ السلام،
وأَمَّا الشمالُ، الشمال البعيد
فليس بجغرافيا أَو جِهَةْ
إنه مَجْمَعُ الآلهةْ
قالت امرأة للسحابة: غطِّي حبيبي
فإنَّ ثيابي مُبَلَّلةٌ بدَمِهْ
إذا لم تَكُنْ مَطَراً يا حبيبي
فكُنْ شجراً
مُشْبَعاً بالخُصُوبةِ، كُنْ شَجَرا
وإنْ لم تَكُنْ شجراً يا حبيبي
فكُنْ حجراً
مُشْبعاً بالرُطُوبةِ، كُنْ حَجَرا
وإن لم تَكُنْ حجراً يا حبيبي
فكن قمراً
في منام الحبيبة، كُنْ قَمرا
هكذا قالت امرأةٌ
لابنها في جنازته
أيَّها الساهرون ! أَلم تتعبوا
من مُرَاقبةِ الضوءِ في ملحنا
ومن وَهَج الوَرْدِ في جُرْحنا
أَلم تتعبوا أَيُّها الساهرون ؟
واقفون هنا. قاعدون هنا. دائمون هنا. خالدون هنا.
ولنا هدف واحدٌ واحدٌ واحدٌ: أن نكون.
ومن بعده نحن مُخْتَلِفُونَ على كُلِّ شيء:
على صُورة العَلَم الوطنيّ (ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخترتَ يا شعبيَ الحيَّ رَمْزَ الحمار البسيط).
ومختلفون علي كلمات النشيد الجديد
(ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخترتَ أُغنيَّةً عن زواج الحمام).
ومختلفون علي واجبات النساء
(ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخْتَرْتَ سيّدةً لرئاسة أَجهزة الأمنِ).
مختلفون على النسبة المئوية، والعامّ والخاص،
مختلفون على كل شيء. لنا هدف واحد: أَن نكون
ومن بعده يجدُ الفَرْدُ مُتّسعاً لاختيار الهدفْ.
قال لي في الطريق إلى سجنه:
عندما أَتحرّرُ أَعرفُ أنَّ مديحَ الوطنْ
كهجاء الوطنْ
مِهْنَةٌ مثل باقي المِهَنْ !
قَليلٌ من المُطْلَق الأزرقِ اللا نهائيِّ
يكفي
لتخفيف وَطْأَة هذا الزمانْ
وتنظيف حَمأةِ هذا المكان
على الروح أَن تترجَّلْ
وتمشي على قَدَمَيْها الحريريّتينِ
إلى جانبي، ويداً بيد، هكذا صاحِبَيْن
قديمين يقتسمانِ الرغيفَ القديم
وكأسَ النبيذِ القديم
لنقطع هذا الطريق معاً
ثم تذهب أَيَّامُنا في اتجاهَيْنِ مُخْتَلِفَينْ:
أَنا ما وراءَ الطبيعةِ. أَمَّا هِيَ
فتختار أَن تجلس القرفصاء على صخرة عاليةْ
إلى شاعرٍ: كُلَّما غابَ عنك الغيابْ
تورَّطتَ في عُزْلَة الآلهةْ
فكن ذاتَ موضوعك التائهةْ
و موضوع ذاتكَ. كُنْ حاضراً في الغيابْ
يَجِدُ الوقتَ للسُخْرِيَةْ:
هاتفي لا يرنُّ
ولا جَرَسُ الباب أيضاً يرنُّ
فكيف تيقَّنتِ من أَنني
لم أكن ههنا !
يَجدُ الوَقْتَ للأغْنيَةْ:
في انتظارِكِ، لا أستطيعُ انتظارَكِ.
لا أَستطيعُ قراءةَ دوستويفسكي
ولا الاستماعَ إلى أُمِّ كلثوم أَو ماريّا كالاس وغيرهما.
في انتظارك تمشي العقاربُ في ساعةِ اليد نحو اليسار…
إلي زَمَنٍ لا مكانَ لَهُ.
في انتظارك لم أنتظرك، انتظرتُ الأزَلْ.
يَقُولُ لها: أَيّ زهرٍ تُحبِّينَهُ
فتقولُ: القُرُنْفُلُ .. أَسودْ
يقول: إلى أَين تمضين بي، والقرنفل أَسودْ ؟
تقول: إلى بُؤرة الضوءِ في داخلي
وتقولُ: وأَبْعَدَ … أَبْعدَ … أَبْعَدْ
سيمتدُّ هذا الحصار إلى أَن يُحِسَّ المحاصِرُ، مثل المُحَاصَر،
أَن الضَجَرْ
صِفَةٌ من صفات البشرْ.
لا أُحبُّكَ، لا أكرهُكْ ـ
قال مُعْتَقَلٌ للمحقّق: قلبي مليء
بما ليس يَعْنيك. قلبي يفيض برائحة المَرْيَميّةِ.
قلبي بريء مضيء مليء،
ولا وقت في القلب للامتحان. بلى،
لا أُحبُّكَ. مَنْ أَنت حتَّى أُحبَّك؟
هل أَنت بعضُ أَنايَ، وموعدُ شاي،
وبُحَّة ناي، وأُغنيّةٌ كي أُحبَّك؟
لكنني أكرهُ الاعتقالَ ولا أَكرهُكْ
هكذا قال مُعْتَقَلٌ للمحقّقِ: عاطفتي لا تَخُصُّكَ.
عاطفتي هي ليلي الخُصُوصيُّ…
ليلي الذي يتحرَّكُ بين الوسائد حُرّاً من الوزن والقافيةْ !
جَلَسْنَا بعيدينَ عن مصائرنا كطيورٍ
تؤثِّثُ أَعشاشها في ثُقُوب التماثيل،
أَو في المداخن، أو في الخيام التي
نُصِبَتْ في طريق الأمير إلي رحلة الصَيّدْ…
على طَلَلي ينبتُ الظلُّ أَخضرَ،
والذئبُ يغفو علي شَعْر شاتي
ويحلُمُ مثلي، ومثلَ الملاكْ
بأنَّ الحياةَ هنا … لا هناكْ
الأساطير ترفُضُ تَعْديلَ حَبْكَتها
رُبَّما مَسَّها خَلَلٌ طارئٌ
ربما جَنَحَتْ سُفُنٌ نحو يابسةٍ
غيرِ مأهولةٍ،
فأصيبَ الخياليُّ بالواقعيِّ،
ولكنها لا تغيِّرُ حبكتها.
كُلَّما وَجَدَتْ واقعاً لا يُلائمها
عدَّلَتْهُ بجرَّافةٍ.
فالحقيقةُ جاريةُ النصِّ، حَسْناءُ،
بيضاءُ من غير سوء …
إلى شبهِ مستشرقٍ: ليكُنْ ما تَظُنُّ.
لنَفْتَرِضِ الآن أَني غبيٌّ، غبيٌّ، غبيٌّ.
ولا أَلعبُ الجولف.
لا أَفهمُ التكنولوجيا،
ولا أَستطيعُ قيادةَ طيّارةٍ!
أَلهذا أَخَذْتَ حياتي لتصنَعَ منها حياتَكَ؟
لو كُنْتَ غيرَكَ، لو كنتُ غيري،
لكُنَّا صديقين يعترفان بحاجتنا للغباء.
أَما للغبيّ، كما لليهوديّ في تاجرِ البُنْدُقيَّة
قلبٌ، وخبزٌ، وعينان تغرورقان؟
في الحصار، يصير الزمانُ مكاناً
تحجَّرَ في أَبَدِهْ
في الحصار، يصير المكانُ زماناً
تخلَّف عن أَمسه وَغدِهْ
هذه الأرضُ واطئةٌ، عاليةْ
أَو مُقَدَّسَةٌ، زانيةْ
لا نُبالي كثيراً بسحر الصفات
فقد يُصْبِحُ الفرجُ، فَرْجُ السماواتِ،
جغْرافيةْ !
أَلشهيدُ يُحاصرُني كُلَّما عِشْتُ يوماً جديداً
ويسألني: أَين كُنْت ؟ أَعِدْ للقواميس كُلَّ الكلام الذي كُنْتَ أَهْدَيْتَنِيه،
وخفِّفْ عن النائمين طنين الصدى
الشهيدُ يُعَلِّمني: لا جماليَّ خارجَ حريتي.
الشهيدُ يُوَضِّحُ لي: لم أفتِّشْ وراء المدى
عن عذارى الخلود، فإني أُحبُّ الحياةَ .


 
 توقيع : هتون سلطان

إذا أرهقتك هموم الحياة ومسّك منها عظيم الضّرر
وذقت الأمرَّين حتى بكيت وضجَّ فؤادك حتّى انفجر
وسُدّت بوجهك كلَّ الدروب وأوشكت تسقط بين الحفر
فيمّم إلى البيت في لهفة وبُثَّ الشكاة لربّ القَدَر


قديم 14-08-2010, 07:15 PM   #32 (permalink)
هتون سلطان
مـراقـبـة عـالـم حـواء
قروب فزاع للترحيب والتشجيع


الصورة الرمزية هتون سلطان

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 43476
 تاريخ التسجيل :  Sep 2007
 أخر زيارة : 08-12-2011 (09:09 PM)
 المشاركات : 24,622 [ + ]
 التقييم :  1445
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: ديوان أديب ..... {محمود درويش}



كان ما سوف يكون



في الشارع الخامس حيّاني . بكى . مال على السور
الزجاجي ، ولا صفصاف في نيويورك.
أبكاني . أعاد الماء للنهر . شربنا قهوه . ثم افترقنا في
الثواني .
منذ عشرين سنه
وأنا أعرفه في الأربعين
وطويلا كنشيد ساحليّ ، وحزين
كان يأتينا كسيف من نبيذ . كان يمضي كنهايات
صلاه
كان يرمي شعره في مطعم " خريستو"
وعكا كلها تصحو من النوم
وتمشي في المياه
كان أسبوعا من الأرض ، ويوما للغزاه
ولأمّي أن تقول الآن : آه!
ليديه الورد والقيد . ولم يجرحه خلف السور ألّا
جرحه السيّد . عشّاق يجيئون ويرمون المواعيد .
رفعنا الساعد الممتددشنا العناقيد اختلطنا في
صراخ الفيجن البريّ . كسرنا الأناشيد . انكسرنا
في العون السود . قاتلنا . قتلنا. ثم قاتلنا . وفرسان
يجيئون ويمضون .
وفي كل فراغ
سنرى صمت المغني أزرقا حتى الغياب
منذ عشرين سنه
وهو يرمي لحمه للطير والأسماك في كل أتجاه
ولأمّي أن تقول الآن : آه !
أبن فلّاحين من ضلع فلسطين
جنوبيّ
شقيّ مثل دوريّ
قوي
فاتح الصوت
كبير القدمين
واسع الكفّ . فقير كفراشه
أسمر حتى التداعي
وعريض المنكبين
ويرى أبعد من بوابة السجن
يرى أقرب من أطروحة الفن
يرى الغيمة في خوذة جندي
يرانا ، ويرى كرت الأعاشه
وبسيط .. في المقاهي واللغه
ويحب الناي والبيره
لم يأخذ من الألفاظ إلّا أبسط الألفاظ
سهلا كان كالماء
بسيطا .. كعشاء الفقراء .
كان حقلا من بطاطا وذره
لا يحب المدرسه
ويحب النثر والشعر
لعلّ السهل نثر
ولعلّ القمح شعر.
ويزور الأهل يوم السبت
يرتاح من الحبر الألهي
ومن أسئلة البوليس.
لم ينشر سوى جزئين من أشعاره الأولى
وأعطانا البقيه
شوهدت خطوته فوق مطار اللد من عشر سنين
واختفى...
كان ما سوف يكون
فضحتني السنبله
ثم أهدتني السنونو
لعيون القتله
.. شاحبا كالشمس في نيو يو رك:
مناين يمرّ القلب ؟ هل في غابة الأسمنت ريش لحمام؟
وبريدي فارغ . والفجر لا يلسع .
والنجمة لا تلمع في هذا الزحام .
ومسائي ضيّق . جسم حبيبي ورق . لا أحد حول
مسائي " يتمنى أن يكون النهر والغيمه" .. من
أين يمرّ القلب ؟ من يلتقط الحم الذي يسقط قرب
الأوبرا والبنك ؟ شلاّل دبابيس سيجتاح الملذات
التى أحملها .
لا أحلم الآن بشيء
أشتهي أن أشتهي
لا أحلم الآن بغير الانسجام
أشتهي
أو
أنتهي
لا . ليس هذا زمني
شاحبا كالشمس في نيويورك
أعطيني ذراعي لأعانق
ورياحي لأسير
ومن المقهى الى المقهى . أريد اللغه الأخرى
أريد الفرق بين النار والذكرى
أريد الصفة الأولى لأعضائي
وأعطيني ذراعي لأعانق
ورياحي لأسير
ومن المقهى ألى المقهى
لماذا يهرب الشعر من القلب أذا ما أبتعدت يافا ؟ لماذا
تختفي يافا أذا عانقتها ؟
لا ليس هذا زمني
وأريد الصفة الأولى لأعضائي
وأعطيني ذراعي لأعانق
ورياحي لأسير
... واختفى في الشارع الخامس ، أو بوابة القطب
الشماليّ . ولا أذكر من عينيه ألا مدنا تأتي وتمضي.
وتلاشى ، وتلاشى...
والتقينا بعد عام في مطار القاهرة
قال لي بعد ثلاثين دقيقه
" ليتني كنت طليقا
في سجون الناصرة "
نام أسبوعا . صحا يومين . لم يذهب مع النيل ألى الأرياف
لم يشرب من القهوة إلّا لونها .
لم يرى المصري في مصر
ولم يسأل سوى الكتّاب عن شكل الصراع الطبقي
ثم ناداه السؤال الأبديّ الاغتراب الحجري
قلت : من أي نبيّ كافر قد جاءك البعد النهائيّ ؟
بكى من كسل في نظراتي . هل تغيّرت ؟
تغيّرت . ولم تذهب حياتي
عبثا .
مال ألى النيل وقال : النيل ينسى ؟
قلت : لا ينسى كما كنا نظنّ
وتذكّرنا معا أيقاعنا الماضي
وموجات السنونو فوق كف تقرع الحائط
والأرض التي نحملها في دمنا كالحشرات
وتذكرنا معا أيقاعنا الماضي وموت الأصدقاء
والذين اقتسموا أيّامنا ، وانتشروا
لم يحبونا كما كنّا نشاء
لم يحبونا ولكن عرفونا..
كان يهذي عندما يصحو . ويصحو عندما يبكي
ويمشي كخيام في البعيد العربيّ
ذهب العمر هباء
وفقدت الجوهري
واختفى قرب غروب النيل
أعددت له مرثية أخرى وجنّاز نخيل
يا انتحاري المتواصل
أوقف العمر لكي نبدأ من أي رحيل
وتأجّج كنباتات الجليل
وتوهّج كقتيل
يا انتحاري المتواصل
قف على ناصية الحلم وقاتل
فلك الأجراس ما زالت تدقّ
ولك الساعة ما زالت تدقّ
وتلاشى مرة أخرى
وخانتني الغصون
كان ما سوف يكون
فضحتني السنبلة
ثم أهدتني السنونو
لسيوف القتله
كانت نيويورك في تابوتها الرسمي تدعونا ألى تابوتها .
في الشارع الخامس حيّاني . بكى . مال على نافورة
الاسمنت . لا صفصاف في نيويورك . أبكاني .
أعاد الظل للبيت . اختبأنا في الصدى . هل مات
منّا أحد ؟ كلّا . تغيّرت قليلا ؟ لا . هل الرحله
ما زالت هي الرحله والميناء في القلب ؟ . نعم.
كان بعيدا وبعيدا ونهائيّ الغياب
دخّن الكأس..
تلاشى
كغزال يتلاشى
في مروّج تتلاشى في الضباب
ورمى سيجارة في كبدي وارتاح
لم ينظر إلى الساعة
لم يسرقه هذا القمر االواقف تحت الطابق العاشر في
منهاتن . التفّ بذكراه .. تغشّاه رنين الجرس
السريّ . مرّت بين كفينا عصافير عصافير و موت
عائليّ . ليس هذا ومني . عاد شتاء آخر . ماتت
نساء الخيل في حقل بعيد . قال إنّ الوقت لا يخرج
مني . فتبادلت و قلبي مدنا تنهار من أوّل هذا
العمر حتى آخر الحلم ..
أنبقى هكذا نمضي إلى الخارج في هذا النهار البرتقاليّ
فلا نلمس إلاّ الداخل الغامض ؟
من أين أتيت ؟
إخترقت عصفور رمحا
فقلت اكتشفت قلبي
أنبقى هكذا نمضي إلى الداخل في هذا النهار البرتقاليّ
فلا نلمس إلاّ شرطة الميناء ؟
يهذي خارج الذكرى : أنا الحامل عبء الأرض ،
و المنقذ من هذا الضلال . الفتيات انتعلت روحي
و سارت . و العصافير بنت عشّا على صوتي و شقّتني
و طارت في المدى ..
لم يتغيّر أيّ شيء
و الأغاني شردتني شردتني
ليس هذا زمني .
ل ،ا ليس هذا وطني .
لا ليس هذا بدني .
كان ما سوف يكون
فضحنه السنبلة
ثم أهدته السنونو
لرياح القتله ..


 

قديم 14-08-2010, 07:18 PM   #33 (permalink)
هتون سلطان
مـراقـبـة عـالـم حـواء
قروب فزاع للترحيب والتشجيع


الصورة الرمزية هتون سلطان

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 43476
 تاريخ التسجيل :  Sep 2007
 أخر زيارة : 08-12-2011 (09:09 PM)
 المشاركات : 24,622 [ + ]
 التقييم :  1445
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: ديوان أديب ..... {محمود درويش}



نشيد إلى الأخضر





إنّك الأخضر . لا يشبهك الزيتون ، لا يمشي إليك
الظلّ ، لا تتّسع لرايات صباحك .
ووحيد في انعدام اللون ،
تمتدّ من اليأس إلى اليأس
وحيدا وغريبا كالرجاء الآسيويّ
إنّك الأخضر ، من أوّل حمّلتك الاسم حتى
أحدث الأسلحة
الأخضر أنت الأخضر الطالع من معركة الألوان
والغابات ريش في جناحك .
وقتك القمح الجماعيّ ، الزفاف الدمويّ .
إنّك الأخضر مثل الصرخة الأولى لطفل يدخل العالم
من باب الخيانات ،
ومثل الطلقة الأولى لجنديّ
رأى قصر الشتاء الملكيّ .
وانتظرناك على النرجس
أجراسا وقتلى
وخلقناك ، لكي تخلقنا
ضوءا وظلا .
إنّك الأخضر . لا يشبهك الزيتون ، لا يمشي إليك
الظلّ .لا تتّسع الأرض لرايات صباحك
ونشيدي لك يأتي دائما أسود من كثرة موتي قرب نيران
جراحك
فلتجدّد أيّها الأخضر موتي وانفجاري
إنّ في حنجرتي عشرة آىلاف قتيل يطلبون الماء ،
جدّد أيّها الأخضر صوتي وانتشاري
إنّ في حنجرتي كفّا تهزّ النخل
من أجل فتى يأتي نبيا
أي : فدائيّا
وجدّد أيّها الأخضر صوتي . إنّ في حنجرتي خارطة
الحلم وأسماء المسيح الحيّ
جدّد أيّها الأخضر موتي
إنّ في جثّتي الأخرى فصولا وبلاد
أيّها الأخضر في هذا السواد السائد ، الأخضر في بحث
المناديل عن النيل وعن مهر العروس
الأخضرالأخضر في كلّ البساتين التى أحرقها السلطان
والأخضر في كلّ رماد
لن أسمّيك انتقال الرمز من حلم إلى يوم
أسمّيك الدم الطائر في هذا الزمان
وأسمّيك انبعاث السنبله
أيّها الطائر من جثّتي الكاملة المكتمله
في فضاء واضح كالخبز ...
يا أخضر ! لا يقترب البحر كثيرا من سؤالي
أيّها الأخضر
لا يبتعد البحر كثيرا عن سؤالي
وأنا أذكر ،
أو لا أذكر الحادثة الأولى ،
ولكني أرى طقس اغتيالي
وأنا العائد من كل اغتيال
مستحيلا في جسد
فلتواصل أيّها الأخضر
لون النار والأرض وعمر الشهداء
ولتحاول أيّها الأخضر
أن تأتي من اليأس إلى اليأس
وحيدا يائسا كالأنبياء
ولتواصل أيّها الأخضر لونك
ولتواصل أيّها الأخضر لوني
إنّك الأخضر . والأخضر لا يعطي سوى الأخضر ،
لا يشبهنا الزيتون ،
لا يمشي إلينا الظلّ ،
لا تتسع الأرض لوجهي
في صباحك ! ...


 

قديم 16-08-2010, 07:42 PM   #34 (permalink)
هتون سلطان
مـراقـبـة عـالـم حـواء
قروب فزاع للترحيب والتشجيع


الصورة الرمزية هتون سلطان

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 43476
 تاريخ التسجيل :  Sep 2007
 أخر زيارة : 08-12-2011 (09:09 PM)
 المشاركات : 24,622 [ + ]
 التقييم :  1445
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: ديوان أديب ..... {محمود درويش}



قطار الساعة الواحدة



رجل و امرأة يفترقان
ينفضان الورد عن قلبيهما ،
ينكسران .
يخرج الظلّ من الظلّ
يصيران ثلاثة :
رجلا
و امرأة
و الوقت ...
لا يأتي القطار
فيعودان إلى المقهى
يقولان كلاما آخرا ،
ينسجمان
و يحبّان بزوغ الفجر من أوتار جيتار
و لا يفترقان ...
.. و تلفت أجيل الطرف في ساحات هذا القلب .
ناداني زقاق ورفاق يدخلون القبو و النسيان في مدريد .
لا أنسى من المرأة إلّا وجهها أو فرحي ...
أنساك أنساك و أنساك كثيرا
لو تأخّرنا قليلا
عن قطار الواحدة .
لو جلسنا ساعة في المطعم الصيني ،
لو مرّت طيور عائدة .
لو قرأنا صحف الليل
لكنّا
رجلا و امرأة يلتقيان ...


 

قديم 16-08-2010, 07:45 PM   #35 (permalink)
هتون سلطان
مـراقـبـة عـالـم حـواء
قروب فزاع للترحيب والتشجيع


الصورة الرمزية هتون سلطان

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 43476
 تاريخ التسجيل :  Sep 2007
 أخر زيارة : 08-12-2011 (09:09 PM)
 المشاركات : 24,622 [ + ]
 التقييم :  1445
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: ديوان أديب ..... {محمود درويش}



البكاء



ليس من شوق إلى حضن فقدته
ليس من ذكرى لتمثال كسرته
ليس من حزن على طفل دفنته
أنا أبكي !
أنا أدري أن دمع العين خذلان ... و ملح
أنا أدري ،
و بكاء اللحن ما زال يلح
لا ترشّي من مناديلك عطرا
لست أصحو... لست أصحو
ودعي قلبي... يبكي !
*
شوكة في القلب مازالت تغزّ
قطرات... قطرات... لم يزل جرحي ينزّ
أين زرّ الورد ؟
هل في الدم ورد ؟
يا عزاء الميتين !
هل لنا مجد و عزّ !
أتركي قلبي يبكي !
خبّئي عن أذني هذي الخرافات الرتيبة
أنا أدري منك بالإنسان ...بالأرض الغريبة
لم أبع مهري ...و لا رايات مأساتي الخضيبة
و لأنّي أحمل الصخر وداء الحبّ ...
و الشمس الغريبة
أنا أبكي !
أنا أمضي قبل ميعادي ... مبكر
عمرنا أضيق منا ،
عمرنا أصغر... أصغر
هل صحيح ، يثمر الموت حياة
هل سأثمر
في يد الجائع خبزا ، في فم الأطفال سكّر ؟
أنا أبكي !


 

قديم 17-08-2010, 12:28 PM   #36 (permalink)
رماد رجل
عضو متميز


الصورة الرمزية رماد رجل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 82865
 تاريخ التسجيل :  Jun 2009
 أخر زيارة : 05-02-2012 (01:06 AM)
 المشاركات : 1,666 [ + ]
 التقييم :  532
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: ديوان أديب ..... {محمود درويش}



من قال ان درويش قد ماااات

هو حي في كل اللغات

هو الحرف الدائم الحضور

في كل الكلمات

من قال انه قد مات

هو مازال بيننا

في ثنايا الورد

وحبات المطر

واحضان الغادرينا

على سواحل حيفا

ما زال هنا

اراه الان

يجلس تحت شجرة من زيتون يافا

وفي حقل للبرتقال على حدود صفد

هو هنا وهو هناك

هو في كل مكان

في الارض وفي السماء

في البر والبحر

في كل مكان

فهو عاشق فلسطين

ومن يعشق فلسطين

لا يموت


 
 توقيع : رماد رجل


وهذا الاسم لي


ولأصدقائي


أينما كانوا؛


ولي جسدي المؤقت


حاضراً أم غائباً؛


متران من هذا التراب


سيكفيان الآن …


لي متر


و 75 سنتيمتراً…



والباقي لزهر


فوضوي اللون؛


يشربني على مهل



قديم 18-08-2010, 07:36 PM   #37 (permalink)
هتون سلطان
مـراقـبـة عـالـم حـواء
قروب فزاع للترحيب والتشجيع


الصورة الرمزية هتون سلطان

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 43476
 تاريخ التسجيل :  Sep 2007
 أخر زيارة : 08-12-2011 (09:09 PM)
 المشاركات : 24,622 [ + ]
 التقييم :  1445
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: ديوان أديب ..... {محمود درويش}



طباق (عن إدوارد سعيد)





نيويورك/ نوفمبر/ الشارعُ الخامسُ/
الشمسُ صَحنٌ من المعدن المُتَطَايرِ/
قُلت لنفسي الغريبةِ في الظلِّ:
هل هذه بابلٌ أَم سَدُومْ؟
هناك, على باب هاويةٍ كهربائيَّةٍ
بعُلُوِّ السماء, التقيتُ بإدوارد
قبل ثلاثين عاماً,
وكان الزمان أقلَّ جموحاً من الآن...
قال كلانا:
إذا كان ماضيكَ تجربةً
فاجعل الغَدَ معنى ورؤيا!
لنذهبْ,
لنذهبْ الى غدنا واثقين
بِصدْق الخيال, ومُعْجزةِ العُشْبِ/
لا أتذكَّرُ أنّا ذهبنا الى السينما
في المساء. ولكنْ سمعتُ هنوداً
قدامى ينادونني: لا تثِقْ
بالحصان, ولا بالحداثةِ/
لا. لا ضحيَّةَ تسأل جلاّدَها:
هل أنا أنتَ؟ لو كان سيفيَ
أكبرَ من وردتي... هل ستسألُ
إنْ كنتُ أفعل مثلَكْ؟
سؤالٌ كهذا يثير فضول الرُوَائيِّ
في مكتبٍ من زجاج يُطلَّ على
زَنْبَقٍ في الحديقة... حيث تكون
يَدُ الفرضيَّة بيضاءَ مثل ضمير
الروائيِّ حين يُصَفِّي الحساب مَعَ
النَزْعة البشريّةِ... لا غَدَ في
الأمس, فلنتقدَّم إذاً!/
قد يكون التقدُّمُ جسرَ الرجوع
الى البربرية.../
نيويورك. إدوارد يصحو على
كسَل الفجر. يعزف لحناً لموتسارت.
يركض في ملعب التِنِس الجامعيِّ.
يفكِّر في رحلة الفكر عبر الحدود
وفوق الحواجز. يقرأ نيويورك تايمز.
يكتب تعليقَهُ المتوتِّر. يلعن مستشرقاً
يُرْشِدُ الجنرالَ الى نقطة الضعف
في قلب شرقيّةٍ. يستحمُّ. ويختارُ
بَدْلَتَهُ بأناقةِ دِيكٍ. ويشربُ
قهوتَهُ بالحليب. ويصرخ بالفجر:
لا تتلكَّأ!
على الريح يمشي. وفي الريح
يعرف مَنْ هُوَ. لا سقف للريح.
لا بيت للريح. والريحُ بوصلةٌ
لشمال الغريب.
يقول: أنا من هناك. أنا من هنا
ولستُ هناك, ولستُ هنا.
لِيَ اسمان يلتقيان ويفترقان...
ولي لُغَتان, نسيتُ بأيِّهما
كنتَ أحلَمُ,
لي لُغةٌ انكليزيّةٌ للكتابةِ
طيِّعةُ المفردات,
ولي لُغَةٌ من حوار السماء
مع القدس, فضيَّةُ النَبْرِ
لكنها لا تُطيع مُخَيّلتي
والهويَّةُ؟ قُلْتُ
فقال: دفاعٌ عن الذات...
إنَّ الهوية بنتُ الولادة لكنها
في النهاية إبداعُ صاحبها, لا
وراثة ماضٍ. أنا المتعدِّدَ... في
داخلي خارجي المتجدِّدُ. لكنني
أنتمي لسؤال الضحية. لو لم أكن
من هناك لدرَّبْتُ قلبي على أن
يُرَبي هناك غزال الكِنَايةِ...
فاحمل بلادك أنّى ذهبتَ وكُنْ
نرجسيّاً إذا لزم الأمرُ/
- منفىً هوَ العالَمُ الخارجيُّ
ومنفىً هوَ العالَمُ الباطنيّ
فمن أنت بينهما؟
< لا أعرِّفُ نفسي
لئلاّ أضيِّعها. وأنا ما أنا.
وأنا آخَري في ثنائيّةٍ
تتناغم بين الكلام وبين الإشارة
ولو كنتُ أكتب شعراً لقُلْتُ:
أنا اثنان في واحدٍ
كجناحَيْ سُنُونُوَّةٍ
إن تأخّر فصلُ الربيع
اكتفيتُ بنقل البشارة!
يحبُّ بلاداً, ويرحل عنها.
]هل المستحيل بعيدٌ؟[
يحبُّ الرحيل الى أيِّ شيء
ففي السَفَر الحُرِّ بين الثقافات
قد يجد الباحثون عن الجوهر البشريّ
مقاعد كافيةً للجميع...
هنا هامِشٌ يتقدّمُ. أو مركزٌ
يتراجَعُ. لا الشرقُ شرقٌ تماماً
ولا الغربُ غربٌ تماماً,
فإن الهوية مفتوحَةٌ للتعدّدِ
لا قلعة أو خنادق/
كان المجازُ ينام على ضفَّة النهرِ,
لولا التلوُّثُ,
لاحْتَضَنَ الضفة الثانية
- هل كتبتَ الروايةَ؟
< حاولتُ... حاولت أن أستعيد
بها صورتي في مرايا النساء البعيدات.
لكنهن توغَّلْنَ في ليلهنّ الحصين.
وقلن: لنا عاَلَمٌ مستقلٌ عن النصّ.
لن يكتب الرجلُ المرأةَ اللغزَ والحُلْمَ.
لن تكتب المرأةُ الرجلَ الرمْزَ والنجمَ.
لا حُبّ يشبهُ حباً. ولا ليل
يشبه ليلاً. فدعنا نُعدِّدْ صفاتِ
الرجال ونضحكْ!
- وماذا فعلتَ؟
< ضحكت على عَبثي
ورميت الروايةَ
في سلة المهملات/
المفكِّر يكبحُ سَرْدَ الروائيِّ
والفيلسوفُ يَشرحُ وردَ المغنِّي/
يحبَّ بلاداً ويرحل عنها:
أنا ما أكونُ وما سأكونُ
سأضع نفسي بنفسي
وأختارٌ منفايَ. منفايَ خلفيَّةُ
المشهد الملحمي, أدافعُ عن
حاجة الشعراء الى الغد والذكريات معاً
وأدافع عن شَجَرٍ ترتديه الطيورُ
بلاداً ومنفى,
وعن قمر لم يزل صالحاً
لقصيدة حبٍ,
أدافع عن فكرة كَسَرَتْها هشاشةُ أصحابها
وأدافع عن بلد خَطَفتْهُ الأساطيرُ/
- هل تستطيع الرجوع الى أيِّ شيء؟
< أمامي يجرُّ ورائي ويسرعُ...
لا وقت في ساعتي لأخُطَّ سطوراً
على الرمل. لكنني أستطيع زيارة أمس,
كما يفعل الغرباءُ إذا استمعوا
في المساء الحزين الى الشاعر الرعويّ:
"فتاةٌ على النبع تملأ جرَّتها
بدموع السحابْ
وتبكي وتضحك من نحْلَةٍ
لَسَعَتْ قَلْبَها في مهبِّ الغيابْ
هل الحبُّ ما يُوجِعُ الماءَ
أم مَرَضٌ في الضباب..."
]الى آخر الأغنية[
- إذن, قد يصيبكَ داءُ الحنين؟
< حنينٌ الى الغد, أبعد أعلى
وأبعد. حُلْمي يقودُ خُطَايَ.
ورؤيايَ تُجْلِسُ حُلْمي على ركبتيَّ
كقطٍّ أليفٍ, هو الواقعيّ الخيالي
وابن الإرادةِ: في وسعنا
أن نُغَيِّر حتميّةَ الهاوية!
- والحنين الى أمس؟
< عاطفةً لا تخصُّ المفكّر إلاّ
ليفهم تَوْقَ الغريب الى أدوات الغياب.
وأمَّا أنا, فحنيني صراعٌ على
حاضرٍ يُمْسِكُ الغَدَ من خِصْيَتَيْه
- ألم تتسلَّلْ الى أمس, حين
ذهبتَ الى البيت, بيتك في
القدس في حارة الطالبيّة؟
< هَيَّأْتُ نفسي لأن أتمدَّد
في تَخْت أمي, كما يفعل الطفل
حين يخاف أباهُ. وحاولت أن
أستعيد ولادةَ نفسي, وأن
أتتبَّعُ درب الحليب على سطح بيتي
القديم, وحاولت أن أتحسَّسَ جِلْدَ
الغياب, ورائحةَ الصيف من
ياسمين الحديقة. لكن ضَبْعَ الحقيقة
أبعدني عن حنينٍ تلفَّتَ كاللص
خلفي.
- وهل خِفْتَ؟ ماذا أخافك؟
< لا أستطيع لقاءُ الخسارة وجهاً
لوجهٍ. وقفتُ على الباب كالمتسوِّل.
هل أطلب الإذن من غرباء ينامون
فوق سريري أنا... بزيارة نفسي
لخمس دقائق؟ هل أنحني باحترامٍ
لسُكَّان حُلْمي الطفوليّ؟ هل يسألون:
مَن الزائرُ الأجنبيُّ الفضوليُّ؟ هل
أستطيع الكلام عن السلم والحرب
بين الضحايا وبين ضحايا الضحايا, بلا
كلماتٍ اضافيةٍ, وبلا جملةٍ اعتراضيِّةٍ؟
هل يقولون لي: لا مكان لحلمين
في مَخْدَعٍ واحدٍ؟
لا أنا, أو هُوَ
ولكنه قارئ يتساءل عمَّا
يقول لنا الشعرُ في زمن الكارثة؟
دمٌ,
ودمٌ,
ودَمٌ
في بلادكَ,
في اسمي وفي اسمك, في
زهرة اللوز, في قشرة الموز,
في لَبَن الطفل, في الضوء والظلّ,
في حبَّة القمح, في عُلْبة الملح/
قَنَّاصةٌ بارعون يصيبون أهدافهم
بامتيازٍ
دماً,
ودماً,
ودماً,
هذه الأرض أصغر من دم أبنائها
الواقفين على عتبات القيامة مثل
القرابين. هل هذه الأرض حقاً
مباركةٌ أم مُعَمَّدةٌ
بدمٍ,
ودمٍ,
ودمٍ,
لا تجفِّفُهُ الصلواتُ ولا الرملُ.
لا عَدْلُ في صفحات الكتاب المقدَّس
يكفي لكي يفرح الشهداءُ بحريَّة
المشي فوق الغمام. دَمٌ في النهار.
دَمٌ في الظلام. دَمٌ في الكلام!
يقول: القصيدةُ قد تستضيفُ
الخسارةَ خيطاً من الضوء يلمع
في قلب جيتارةٍ, أو مسيحاً على
فَرَسٍ مثخناً بالمجاز الجميل, فليس
الجماليُ إلاَّ حضور الحقيقيّ في
الشكلِ/
في عالمٍ لا سماء له, تصبحُ
الأرضُ هاويةً. والقصيدةُ إحدى
هِباتِ العَزَاء, وإحدى صفات
الرياح, جنوبيّةً أو شماليةً.
لا تَصِفْ ما ترى الكاميرا من
جروحك. واصرخْ لتسمع نفسك,
وأصرخ لتعلم أنَّكَ ما زلتَ حيّاً,
وحيّاً, وأنَّ الحياةَ على هذه الأرض
ممكنةٌ. فاخترعْ أملاً للكلام,
أبتكرْ جهةً أو سراباً يُطيل الرجاءَ.
وغنِّ, فإن الجماليَّ حريَّة/
أقولُ: الحياةُ التي لا تُعَرَّفُ إلاّ
بضدٍّ هو الموت... ليست حياة!
يقول: سنحيا, ولو تركتنا الحياةُ
الى شأننا. فلنكُنْ سادَةَ الكلمات التي
سوف تجعل قُرّاءها خالدين - على حدّ
تعبير صاحبك الفذِّ ريتسوس...
وقال: إذا متّ قبلَكَ,
أوصيكَ بالمستحيْل!
سألتُ: هل المستحيل بعيد؟
فقال: على بُعْد جيلْ
سألت: وإن متُّ قبلك؟
قال: أُعزِّي جبال الجليلْ
وأكتبُ: "ليس الجماليُّ إلاّ
بلوغ الملائم". والآن, لا تَنْسَ:
إن متُّ قبلك أوصيكَ بالمستحيلْ!
عندما زُرْتُهُ في سَدُومَ الجديدةِ,
في عام ألفين واثنين, كان يُقاوم
حربَ سدومَ على أهل بابلَ...
والسرطانَ معاً. كان كالبطل الملحميِّ
الأخير يدافع عن حقِّ طروادةٍ
في اقتسام الروايةِ/
نَسْرٌ يودِّعُ قمَّتَهُ عالياً
عالياً,
فالإقامةُ فوق الأولمب
وفوق القِمَمْ
تثير السأمْ
وداعاً,
وداعاً لشعر الألَمْ!


 

قديم 30-08-2010, 03:45 PM   #38 (permalink)
سَنــآء آل مُحمــد
مراقبة قسم همس الخواطر
..فَيْروزِيَّة الحَرْفْ..}~


الصورة الرمزية سَنــآء آل مُحمــد

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 99427
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : اليوم (04:32 PM)
 المشاركات : 47,695 [ + ]
 التقييم :  18149
 الدولهـ
Morocco
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
لوني المفضل : Mistyrose
افتراضي رد: ديوان أديب ..... {محمود درويش}



في مدرسة محمود درويش دائما ما نحتار ولا نستطيعُ ان نوفيه حقه
الف شكر لكم من مر وشاك بالموضوع
واخصُ بالذكر الغالية هتون سلطان

بارك الله فيكم


 
 توقيع : سَنــآء آل مُحمــد


عِندما تموتُ الذاكرة ~~ْ
~~ْ| يبزغُ فجرُ النسيانْ

سنــآءْ آلْ مُحمدْ


موضوع مغلق


  الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)  
 
أدوات الموضوع

  تعليمات المشاركة  
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


  المواضيع المتشابهه  
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مصطفى محمود.. من المهد إلى اللحد PhaRMaCY منتدى النقاش العام 16 12-08-2010 01:08 AM
***والله أحبك يشهد الله علي*** رواية جديدةوروعه >>>>>> لا تفوتكم مره رهيبه وغريبة أمورة الحلوة قسم الروايات والقصص الطويلة 206 17-06-2010 07:40 PM
محمود درويش العائد في ذكرى رحيله الاولى رماد رجل ملتقى جواهر شعرية 4 23-09-2009 09:25 PM
qatar in the past Radiologist Qatar الشيوخ والحكام ورؤساء الدول 11 23-12-2008 07:48 PM
تصميم :: - رحل محمود درويش دون أن يكتب قصيدة الإنتصار ...... الحـازم قسم التصميم والابداع 9 16-08-2008 02:57 PM


الساعة الآن 04:33 PM

   

الرئيسية | الأخبار | معرض الصور | تواصل | المنتدى | السيرة | البريد الالكتروني
جميع الحقوق محفوظة لدى موقع سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم "فزاع". © 2009

منتديات فزاع غير مسؤولة عن أي تعليق أو مواضيع يتم نشرها من خلال الأعضاء.
ولا تعبر عن رأي منتديات فزاع ولا نتحمل أي مسؤولية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر) فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به.

Translated into Arabic by: FTT.

Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.0

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117