| | #41 (permalink) |
|
vip ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | طريقة دبي إذا أردنا اختصار البنود السابقة فيمكن القول إن هذه المشاريع منفذة وفق الطريقة التي يصفها البعض بأنها (طريقة دبي في عمل الأشياء) ويه تتلخص بالآتي : أ- بلورة الرؤية. ب- تحديد الأهداف. جـ- وضع الخطة. د- تحديد وقت قصير للتنفيذ. هـ- حشد الطاقات. و- إعطاء الإشارة للجميع لكي يبدأوا العدو لتنفيذ المشروع. وماذا يعني القول : (صنع في دبي)؟ إنه يعني أن العمل المطلوب صنع طبقاً لمفهوم دبي في تحقيق الإنجاز المتميز ووفق معايير ومتطلبات ومواصفات محددة يمكن إيجاز بعضها كالآتي : 1- التفوق : القصد الحقيقة للامتياز في دبي ليست قصة التفوق على الآخرين بل قصة التفوق على النفس. التفوق على النفس لا يتحقق بإرهاقها. إنه هذا الميل الإضافي الذي تقطعه عندما تعتقد أنك سرت الطريق كله. إنه هذا الجهد الإضافي عندما تعتقد أن وقت الراحة حان، إنه هذا الوقت الإضافي الذي تخصصه للتفكير بالعمل لكن خارج أوقات العمل، إنه هذا العطاء الإضافي عندما تعتقد أنك أعطيت كل شيء، إنه هذه الفكرة الأخرى، هذه المحاولة الإضافية، هذه اللمسة الأخيرة التي تشبه لمسة الرسام الذي يُنهي لوحته ثم ينظر إليها من بعيد ويعود ويضيف إليها شيئاً يعطيها ذاك التفرد الذي يشد انتباه النقاد. إنه أيضاً الاعتقاد الدائم بأن هناك شيئاً كان يجب أن تضيفه أو ان تعدله لكنك لا تعرف ما هو هذا الشيء بالضبط وتظل تفكر به وتبحث عنه إلى ان تجده. التفوق على النفس ايضا هو طرح اليأس جانباً في كل الظروف والتمسك بالأمل والإيجابية والرغبة بالإنجاز وتحقيق النجاح. 2- التغلب على المستحيلات : لا يوجد تعريف واحد للمستحيل. خارج نطاق المستحيلات البديهية ستجد أن ما كان مستحيلاً قبل عشر سنوات لم يعد مستحيلاً اليوم وما هو مستحيل بالنسبة لشخص ليس مستحيلاً لآخر. إذا لم أستطع قهر مستحيل فلعل السبب أنني لم أجد الطريقة المناسبة لقهره. طريق التغلب على المستحيل هو رفض القبول باليأس. إنه القول : يوجد حل ما في مكان ما بطريقة ما ففكروا معي أين هو؟ 3- صهر الجهود في بوتقة النجاح : النجاح نجاح للمجموعة والفشل فشل للمجموعة والحلقة الضعيفة تُضعف السلسلة كلها مهما تكن قوتها. جميعنا يجب أن يشترك في السباق لذا يجب أن يعرف كل عضو في كل فريق أن نجاح عمل فريقه يتوقف على نجاحه، وأن نجاح فريقه أساسي لتمكين كل فرق العمل الأخرى من النجاح. يجب ان تعرف الإدارة أن إخفاقها في حشد طاقات كل فرق العمل لتحقيق الأهداف المرسومة سيؤدي إلى فشل عمل كل الفرق وستكون هي على رأس هذا الفشل، ويجب ان يعرف القائد انه إذا لم يتقدم الجميع ويوجه الجميع في عملية البناء فلن يتحقق النجاح. عندما تتضافر كل هذه الخبرات والمهارات وتتناسق وتيرة العمل ويتحقق التكامل فإن الناتج ليس مجموعة من فرق العمل ذات الأداء الفعال، وليس مجرد إدارة فعالة بل فريق عمل واحد. لدينا في دبي اليوم فريق من هذا النوع. إنه أكبر فريق عمل في الشرق الأوسط لكن وراء هذا الفريق فريق أكبر هم أهل دبي كلها لذا لن أتردد في القول إن لدينا أكبر فريق عمل من نوعه في العالم. ما هو المستحيل عندما يتوافر لبلد ما مثل هذا الفريق؟ ما هو المشروع الذي لا يستطيع مثل هذا الفريق تنفيذه وتحقيق النجاح فيه؟ أليس هذا هو الفريق الذي يمكن أن يقول : سننفذه وسنحوله إلى واقع وسنحقق له النجاح فقولوا لنا ما هو المشروع الذي تريدونه؟ 4- التجارب الحضارية : الإصلاح الإداري في دبي كان تجربة لكنه الآن مدرسة. توجد طرق عدة لإنجاز مهمة ما ونحن اخترنا تطوير مدرسة إدارية متميزة عالية الأداء بأسلوب حضاري لأنه من حق شعبنا أن يعامل المعاملة الحضارية التي تليق به وبحضارته العريقة، ولن نكف عن توجيه الدعوة إلى الدول العربية والمديرين العرب للاستفادة من تجربة متكاملة ناضجة بدلاً من اللجوء إلى مدارس أخرى في مدن أخرى ربما اكتشفنا بعد وقت طويل أنها ليست النموذج التنموي الصالح لمجتمعاتنا. حدث هذا في الماضي ولا نزال نعاني منه ويجب ألا يحدث في المستقبل. نريد تعميم تجربة دبي في التطوير الحكومي والإصلاح الإداري والإسهام في تطوير الإدارة العربية وتشجيع كل أداء حكومي متميز يخدم الشعوب العربية بكل الطرق التي نقدر عليها ومنها التعاون مع الجامعة العربية لتخصيص جائزة للتميز الإداري. لقد تقدم أخوة لنا في الدول العربية الشقيقة لهذه الجائزة وكانوا خير سفراء لبلدانهم بعملهم وتفوقهم. 5- صنع ظروف النجاح : قلت في مكان سابق يجب ألا نستعجل الأمور لكن التنمية عملية صنع خلاق. يمكن انتظار الريح المواتية لتدفع الشراع لكن الريح ليست الوسيلة الوحيدة لإبحار السفينة على عجل بغية اغتنام فرصة تبدت فجأة أو تحقيق السبق في مشروع معين وقطع الطريق على المنافسة لذا فإن بعض مشاريع التنمية تلد ولادة طبيعية بعد مراحل التروي والتخطيط والتأكد من جميع التفاصيل والبدائل، لكن بعض المشاريع يتطلب عملية قيصرية تستدعي القفز فوق المعايير والدراسات وتوفير الظروف الموضوعية في فترة قصيرة جداً. هذا ينطبق على الاقتصاد الجديد أكثر من انطباقه على الاقتصاد القديم ففي المشاريع التقنية أو التجارة الإلكترونية مبدأ مختلف هو : من يأتي أولاً يبقى أولاً ولنا أمثلة كثيرة على ذلك في ياهو وأمازون ومايكروسوفت و eBay وغيرها. وفي هذه الحالات يمكن مباشرة المشروع ووضع تفاصيله أو التغلب على المشاكل الماثلة أمامه أولاً بأول، إلا أن هذا يتطلب فريق العمل المتمرس المشهود له بالإنجاز، ويضم من برهن على أنه من الذين يعتمد عليهم في الشدائد. 6- الإيجابية : دبي عنصر تغيير إيجابي يُسهم في إشاعة الإيجابية في منطقتنا وخارجها. لسنا هونغ كونغ أو سنغافورة أو وادي السيلكون أو أي مكان آخر. رؤيتنا مختلفة وطرقنا مختلفة وأولوياتنا مختلفة. نحن نسهم في دفع عجلة التقدم في الإمارات، ونحن على ما نحن عليه بكل إيجابياتنا التي نحاول تطويرها وسلبياتنا التي نحاول التخلص منها بمزيد من العمل والتفاؤل والثقة بالنفس والطاقة الإيجابية. الدين بالنسبة لنا دين ودنيا ونحن ملتزمون بتعاليمه ولا نرى أي تناقض على الإطلاق بين الدين والحداثة أو بين تعاليم ديننا وما تقدمه الحضارة الصحيحة، لذا لن نفعل شيئاً على حساب ديننا لأننا سنصبح بلا دين ولا دنيا : نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع 7- ابتكار الحلول : لا توجد قوانين وأنظمة بشرية مقدسة. إنها موضوعة بهدف تقنين أشياء معينة في أوقات معينة وبما أن التطور يعني الاستمرارية لا بدّ أن يأتي وقت لا تعود فيه تلك الأنظمة تؤدي الهدف الأساسي منها وتصبح أداء لعرقلة مرور التنمية بدلاً من ضمان تدفق الحركة في صورة طبيعية. المناطق الحرة تقدم وسيلة ناجحة لتخطي العقبات التي يمكن أن تتضمنها بعض بنود القوانين والأنظمة والإجراءات لكن هذه العملية ليست خبط عشواء. مهما تكن الخبرة عميقة فلا بدّ ان تكون هناك خبرة أعمق منها. إذا قررت دعوة الشركات الأجنبية للاستثمار في بلدي فلا أستطيع ان احدد لها ما الذي يجب ان تفعله بالضبط. أهل مكة أدرى بشعابها. أنا أريد للشركات النجاح لكن لست أنا أفضل من يعرف كيف تستطيع الشركات تحقيق النجاح بل الشركات نفسها. أفضل الحلول أحياناً هو أسهلها، ونريد تسهيل الأمور على الشركات وعلى أنفسنا ونريدها ان تحقق النجاح بأسرع وقت ممكن لذا عندما تقرر الشركات العالمية دخول سوقنا نطلب منها تقديم لائحة رغبات wish list بما تتوقعه ثم نحاول تحقيق تلك الرغبات وموافقتها مع القوانين والأنظمة والإجراءات وتذليل كل العقبات. 8- الأمن والاستقرار : ليس الربان الجيد من يستطيع توجيه سفينته في المياه الهادئة بل من يقودها إلى بر السلامة وسط الزوابع. عندما ترتفع الأصوات الغاضبة يجب ان يكون هناك من ينادي بضبط النفس والهدوء، وإذا تراجعت الثقة يجب ان يكون هناك من يقويها، وإذا ساد القلق يجب ان تظهر الشجاعة. الأمن والأمان حقان لشعبنا وللمستثمرين في بلدنا يجب ان نضمنهما مهما تكن الظروف. نحن بلد مسالم لا علاقة لنا بالتوتر، لكن إذا أثر التوتر حولنا في الثقة فإن سياستنا تقوم على المسارعة إلى طمأنة الناس وملاقاة الأزمة في الطريق قبل ان تصل إلينا وتأكيد ثقتنا ببلدنا من خلال الإعلان عن المشاريع الاستثمارية والتوسعات والتوجيه بعدم إلغاء أي مناسبات مقررة مهما تكن الأسباب. 9- الاستمرارية : الامتياز بالنسبة لنا لا يعني فقد القدرة على تقديم الجودة والعمل المتميز والخدمة المتميزة بل القدرة على تقديمها دائماً. توجد تنمية في دبي لكن توجد تنمية في أي مكان لذا فإن رؤيتنا لم تستهدف منافسة التنمية في أي مكان بل منافسة مراكز الامتياز الدولية. مقارنة أنفسنا بالدولة المتقدمة هو الصح والمطلوب لأننا نستطيع حينئذ تمكين أنفسنا من المنافسة على مستوى العالم وتحقيق التقدم، وإن أخفقنا فنحن إلى تراجع، إن نجاحنا هو أحد أسباب ثقتنا العالية بأنفسنا وقدراتنا وأحد أسباب ثقة الناس بنا. كنّا نرسل الوفود إلى المطارات الدولية ذات الخدمة المتميزة لكي نتعلم ونقارن ما يفعلونه بما نفعله ونطلع على تجاربهم، والآن نستقبل وفوداً من تلك المطارات جاءت إلى دبي للغاية التي ذهبنا من أجلها. مطار دبي كان الأفضل بين أهم 40 مطاراً في العالم طبقاً لمعايير محددة وتقدم على مطارات سنغافورة وهونغ كونغ وغيرهما. أحد معايير الجودة هو أن تفوق توقعات المتعامل ورضاه. إذا كان المسافر يتوقع ان ينجز إجراءات الهجرة والجمارك في المطار خلال ساعة من هبوط طائرته وإذ به ينجزها خلال نصف ساعة فهذه خدمة نوعية. إذا توقع المتعامل إنجاز معاملة حكومية خلال يومين وأنجزها خلال يوم واحد فهذه خدمة متميزة لكن هذا ليس نهاية الجودة. توقعات الناس لا تتوقف عند حد وهي باب دوار وقضية متحركة. إنهم يبحثون دائماً عن الأفضل والأسهل لذا يجب الاستمرار في مفاجأة المتعاملين بتقديم الأفضل. من كان يتوقع إنجاز إجراءات الوصول خلال نصف ساعة صار يتوقعها خلال عشرين دقيقة، ومن كان يتوقع إنجاز المعاملة الحكومية خلال يوم بات يتوقعها خلال ثلاث ساعات وهكذا. إذا لم أستطع مفاجأة المتعامل بتقديم الأفضل دائماً فأنا توقفت عن تقديم الخدمة المتميزة وبدأت أتراجع وبدأت سمعتي التي بنيتها على تقديم الجودة في التراجع وسأفقد في أشهر ما بنيته في سنوات. من يقارن بين دبي الآن ودبي قبل بضع سنوات خلت سيلمس التطور الكبير الذي تحقق لكن كلما طورت وحسنت وأضفت ستكتشف وجود أشياء جديدة يجب ان تضيفها فالرحلة مستمرة والطريق طويل. |
|
| | #42 (permalink) |
|
vip ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | الفصل الثاني عشر مأسسة الامتيـاز هل أنا قائد جيد؟ لا أعرف ولا أعتقد ان احداً يعرف الآن. الشعب والمستقبل والتاريخ هم الذين سيقررون يوماً وسأقبل حكمهم مهما يكن. هل الطريق الذي أقود شعبي فيه هو الطريق الصحيح؟ لن أتحدث باسم الآخرين لكني مقتنع تماماً بأنه الطريق الصحيح والسليم والوحيد لكن هذا حكمي أطلقه في حدود معرفتي. المهم دائماً بالنسبة لي ان أؤدي ما اعتقده واجب أمام ربي ثم أمام ضميري ووطني وأمتي وقائدي فأعمل ليومي كأنني أموت غداً وأعمل لغدي كأنني أعيش أبدا، وأصب كل طاقاتي وجهدي ووقتي بكل الشجاعة والإصرار والعزم الذي يمكنني به ربي. يجب على الإنسان ألا يتطلع إلى الألقاب والمناصب بل إلى الإنجازات. أنا في خدمة الشعب والوطن، ولم تكن ولاية عهد إمارة دبي في الماضي رغبة فقد دعيت لتولي المنصب مرات واعتذرت ثم أمرت فوافقت لأنني لم أستطع أن أرفض طلباً صريحاً لشقيقي الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله، وكذلك عندما اختاره الله تعالى إلى جواره الميمون وتوليت حكم إمارة دبي ونيابة رئاسة دولة الإمارات ورئاسة مجلس الوزراء فقد كانت تلك المسؤولية جسيمة وأمانة بالغة أتوجه إلى الله دائماً راجياً العون عليهما والهداية إلى الطريق الصحيح. لي أهل أحبهم ويحبونني، ولي أبناء وبنات أنا راض عنهم وأرجو أن يكونوا راضين عني، وأترك اللحظة تحكم الشعور فأنا قائد عندما أقود، وفارس عندما أكون على ظهر الجواد، وشاعر عندما أكتب الشعر، ومواطن فرد عندما يجمعني مجلس أو لقاء مع المواطنين الآخرين في بلدي. حاجاتي من الدنيا قليلة وسجادة الصلاة في سيارتي أينما كنت ومعي عبوة ماء وربما أداة صيد وعملي ومشاغلي ورؤيتي. قال يزيد الثاني : (قد بلغني أن السرور لم يصف لشخص يوماً كاملاً وإني مجرب ذلك). أحب عملي ولا أعتقد أن هناك متعة تعلو على المتعة التي يستمدها القائد من إعلاء شأن بلده وتحسين أوضاع شعبه. لكن إن قصد الخليفة الأموي الأيام التي لا مشاغل فيها ولا تفكير ولا قرار فأعتقد أنه لم يبالغ. جزء من تفكيري مكرس للحاضر وجزء للمستقبل، جزء لمعالجة قضايا اليوم وشؤون الساعة وجزء لهذه الرؤية الماثلة في الأفق. ربما رأى القائد الضوء في البعيد لكنه لم ير النفق المؤدي إليه جيداً بعد، وربما رأى النفق لكنه لم ير الضوء في نهايته بعد لذا عليه في كلتا الحالتين ان يكون واثقاً من سلامة الاتجاه في طريق أهدافه لأنه اتجاه أهداف الوطن. نحن نعيش واقعاً يتغير بسرعة وأمامنا تحديات كثيرة يجب أن ندركها جيداً ونستعد لها الاستعداد المناسب ونستجيب لها بالفعالية الممكنة لذا فإن حقائق الواقع ليست الوحيدة التي تخضع للتغير بل الرؤية أيضاً ومساراتها، ويمكن القول إن الرؤية النهائية يمكن ان تكون مجموعة رؤى صغيرة مُنفذة بنجاح تقود إلى الرؤية المتكاملة الكبيرة. إذا أصر القائد على رؤية جامدة فإنه يفترض أن كل شيء سيكون كما يتوقعه. هذا لا يحدث دائماً لذا يجب ان تأخذ الرؤية الصحيحة في الاعتبار تطورات غير متوقعة وتتضمن القدر المناسب من المرونة والبدائل. إن تحقيق مئة في المئة من الرؤية ليس شرطاً ملزماً للقائد إذا كانت الرؤية بعيدة وتتضمن التجاوب مع معطيات شديدة التقلب والتغير كما هي المعطيات التي تواجه عالمنا اليوم. المهم في نهاية كل مرحلة يتحقق فيها إنجاز كبير ان يحاول القائد تأطير هذا الإنجاز وترسيخ دعائمه وتحويله إلى حقيقة جديدة يستخدمها منصة انطلاق صلبة نحو الإنجاز الجديد. لا تزال جيوب هنا وهناك لم يصل إليها الامتياز لكن أستطيع القول بثقة إن دبي اليوم مركز دولي للامتياز. الخطوة الطبيعية التي تلي تحقيق الامتياز هي مأسسته لضمان استمراره. الرؤية هي القائد والقائد هو الرؤية، وربما استطاع القائد ان يضمن الإنجازات التي تتضمنها الرؤية لكنه قد لا يستطيع شخصياً ان يضمن ديمومة الإنجازات في المستقبل البعيد. من يستطيع ان يضمن ذلك؟ المأسسة. أبسط أهداف المأسسة ان تترجم نفسها إلى مؤسسات وكثيرون يقولون اليوم إن دولة المؤسسات هي الدولة المعروفة في الغرب باسم دولة الديمقراطية. وكما ان من مهام القائد ان يرعى التنمية، فمن مهامه أيضاً ان يرعى المؤسسات التي تديم التنمية. في مرحلة معينة من تطور المجتمعات يصبح دعم القائد ومساندته ورعايته ضرورة لمأسسة التنمية، لذا فإن عملية بناء التنمية يجب ان تواكبها عملية بناء المؤسسات لأن امتياز الحضارة بامتياز مؤسساتها. عندما نتحدث عن برامج تطوير الأداء الحكومي في دبي فنحن لا نتحدث عن مجرد تجربة ناجحة على أي مستوى يريد المرء أن يفكر به بل عن مؤسسة تطويرية أصبح نظامها جزءاً أساسياً من منهج عمل الدوائر الحكومية. ربما لم يترسخ مفهوم الجودة في تفكير كل الناس لكنه صار بالنسبة للعدد الأكبر منهم جزءاً من عملهم وحياتهم الاجتماعية لذا تجد الآن مديرين كثيرين يتحدثون عن الجودة بعدما كانت آخر اهتماماتهم، وبدأت دوائر حكومية عدة تعد استبيانات لاستقصاء رأي الناس بخدماتها للمرة الأولى منذ تأسيسها، وصارت تهتم بفعالية التكاليف وتضع خطط تدريب الموظفين. وقبل بدء العمل بهذا البرنامج كان عدد من يقبل على الدورات التدريبية قليلاً لكن صار على الجميع الآن الالتحاق بالدورات المختلفة خصوصاً في مجالات تطوير روح الفريق وخدمة المتعاملين وتعزيز مهارات العمل الفعال وما يتصل بالأداء والانتاجية، ومحاورة الخبراء وأصحاب الاختصاص في الإدارة والاقتصاد والتقنية واستغلال الموارد المالية والبشرية والعلاقات الدولية والاهتمامات الإنسانية في المؤتمرات والندوات الدولية التي تنتظم في دبي، ونقل الخبرات المكتسبة من هذه اللقاءات إلى الصفوف الخلفية في دوائرهم لإشاعة وعي شامل لدى جميع الكوادر الحكومية وتحفيزها على التطوير ومواكبة التحرك العالمي على مختلف الأصعدة. إن استمرار هذا الاهتمام يتطلب نوعاً من المأسسة بهدف ترسيخه وضمان الالتزام به، لكن المؤسسة التي يمكن ان تقوم بهذه المهمة ليست هيئة تشريعية وليست لها سلطات تنفيذية وربما وجدت نفسها، لأي سبب من الأسباب، في وضع لا تستطيع فيه حتى ضمان استمرارها. ما هو الحل إذا ؟ |
|
| | #43 (permalink) |
|
vip ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | ثقافة الامتياز من يتحدث إلى الصناعيين الألمان سيكتشف أحد أسرار الإتقان الهندسي الذي تتميز به صناعتهم. التصدير حاسم بالنسبة لبلد مثل ألمانيا والناس يقبلون على صناعاتها بسبب إتقانها رغم أسعارها المرتفعة نسبياً، لكن أحد أهم أسباب التزام الجودة العالية هو ان المستهلك الألماني يتوقع وجود مثل هذه الجودة في المنتج وإلا لن يشتريه، وستخسر الشركة التي لا تنتج الجودة سوقها المحلية. لماذا؟ لأن المستهلك الألماني اعتاد على الجودة في الأشياء منذ القرن السادس عشر. وعندما سألوا بسمارك، صانع الامبراطورية الألمانية، النصيحة قال : (لشباب هذه الأمة نصيحة من ثلاث كلمات : العمل، العمل، العمل). ومنذ القسم الأخير من القرن التاسع عشر صار العمل والانتاج والجودة بالنسبة للمواطن الألماني مطلباً طبيعياً وجزءاً من ثقافته وتكوينه النفسي، وحتى في القرى النائية تجد الألمان يتنافسون في ما بينهم على امتلاك الافضل والأجمل والأكثر إتقاناً في كل شيء. لا بدّ من مؤسسات لمراقبة الجودة وتحديد المواصفات والتقييم لكن أضمن طريقة لمأسسة الامتياز هي مأسسته في المجتمع. لابد من دراسة تجارب الجودة وأرشفتها وتعميمها وحفظها لكن أضمن طريقة للمحافظة على الامتياز هي حفظه داخل اللاوعي في المجتمع. أضمن طريقة لإدامة الامتياز ان يعتاد الناس عليه ويصبح جزءاً من السلوك والتفكير في التجارة والصناعة والزراعة وفي البيت والعمل والمدرسة وأماكن الترفيه وكل شيء آخر، أي ان يرتبط الامتياز بحياتهم وأن يقابل كل ما هو دون ذلك بالرفض. إذا أصبح الامتياز امتداداً طبيعياً للتكوين النفسي للناس فإن العلاقة السابقة مع اللا امتياز ستنقطع وستصبح العودة إلى المقاييس والمعايير والتطلعات القديمة مثالاً على التخلف والارتداد. إذا أردنا الامتياز أن يورق وينمو ويثمر يجب ان نزرعه في عقول الناس. الطريقة الأفضل حتى من هذه والأكثر ضماناً وديمومة هي ربط الامتياز بمصالح الناس وبمستقبلهم وأدائهم ومكانتهم في المجتمع. لن نستطيع إيقاف السباق الكبير نحو الامتياز لذا يجب ان ننخرط فيه فإذا انخرطنا فيه يجب ان نستثمر فيه الجهد والوقت والأدوات، وستكون للجميع مصلحة كبيرة ودائمة في المحافظة على استثماراتهم. الناس أذكياء. من يقدم خدمة دون الامتياز ويحاول ان يتقاضى لقاءها ثمناً لخدمة الامتياز فلن يكون له مكان في السوق، ومن يقدم الامتياز فسيجد الزبائن وسيكبر عمله وينتعش. إذا انسحب هذا الوضع على المدرسة والعيادة والمطاعم والطيران والمواصلات فكل من يقدم هذه الخدمات والسلع سيقدمها بامتياز لأنه لا توجد سوق لما لا امتياز فيه. المستهلك الألماني يفرض على مقدمي الخدمة وصانعي السلع الجودة. هذا لا يعني أن ألمانيا تفتقر إلى المؤسسات المعنية بضمان الجودة فهناك المئات منها لكنه يعني ان في ألمانيا اتحاداً صارماً لمراقبة الجودة يضم أكثر من 80 مليون عضو هم عدد سكان ألمانيا الموحدة اليوم. من يستطيع ان يغلق مؤسسة مثل هذه، أو أن يقف في وجهها، أو أن يمنع الألمان من ممارسة ما يعتبرونه حقاً خالصاً لهم في الحصول على الجودة؟ نحن العرب أربعة أضعاف عدد سكان ألمانيا فمن سيستطيع ان يمنعنا من ممارسة حقنا الخالص في الحصول يوماً ما على الجودة في كل شيء؟ نماذج التجارب التنموية التنمية في دبي مكملة للتنمية في الإمارات التي نعتبرها عمقنا الاقتصادي الطبيعي، والتنمية في الإمارات مكملة للتنمية الخليجية، وتعزيز كل طبقات التنمية هذه تعزيز للتنمية في الدول العربية التي نعتبرها عمقنا الاقتصادي الاستراتيجي. قلت دائماً وأقول إن الإنجازات التي نحققها ليست لنا فقط إنما لإخواننا العرب أيضا ويسعدني ان تجربتنا باتت محل اعتزاز إخواننا وتقديرهم، ولن نتأخر أبداً عن تقديم خبراتنا لمن يطلبها والإسهام في تطوير التنمية العربية لخدمة العرب. لا شيء أفضل من المصارحة والاعتراف بالخطأ لأننا عانينا من أهل المعصومية ما يكفي. النماذج التنموية التي اعتمدناها في الوطن العربي لم تكن صالحة، ولعل النماذج التي اعتمدتها الدول العربية التي كانت توصف بالرجعية أكثر تقدماً بكثير من النماذج في الدول العربية التي كانت توصف بالتقدمية، ولعل بعض تلك الدول الأخيرة لم توفق جيداً في اختيار الأصدقاء والأعداء على حد سواء. الاقتصاد هو مفتاح السياسة. لن أصدقاء في الغرب ولنا أصدقاء في الشرق والتعميم حكم الجاهل. كثيرون قالوا إن اتحاد الإمارات تجربة ستنتهي بالفشل لأنه يفتقد إلى المركزية بسبب وجود سبع إمارات فيه. إذا كان المرء معتاداً على المركزية في السياسة والاقتصاد والتنمية فمن الطبيعي ان يتوصل إلى استنتاج مثل هذا، ومن الطبيعي ان يعتقد ان تجارب الوحدة لا تتحقق من دون وحدة مركزية. نحن أثبتنا العكس فوجود سبع إمارات قلل من المركزية وأسهم في إنعاش البلد اقتصادياً وتعليمياً وثقافياً وجعل من تجربتنا تجربة ناجحة أثبتت خطأ المتشائمين، واعتقد ان اللامركزية التي اعتبرها البعض مقتلاً لتجارب الوحدة تقدم فرصة أفضل في تحقيق نجاح هذه التجارب. مجلس التعاون الخليجي يقدم تجربة متميزة في التنسيق والتكامل. تمنينا دائماً أن تواكب سرعة تحقيق الإنجازات تطلعات الشارع الخليجي وإدراك مدى ارتباط مصائرنا ليكون حافزاً على تحقيق النجاح للمنطقة ككل، لكن أعتقد أننا قطعنا الآن شوطاً كبيراً على هذا الطريق، وهناك خطط ودراسات تم تنفيذ القسم الأكبر منها والتنسيق موجود على أرض الواقع ونتمنى ان يحدث ذلك بين كل الدول العربية. باختصار، كان يمكن أن نفعل أكثر بكثير مما فعلناه في الوطن العربي، وكان من الممكن اختصار طريقة التنمية وتلافي الأخطاء، ووضع مصالح الشعوب فوق كل المصالح الأخرى لكن حدث ما حدث في الماضي ولا يمكن تصحيحه وعلينا أن نتعلم من أخطائنا. لا توجد نصيحة تنموية واحدة يمكن أن نقدمها لكل الناس. لا يوجد طريق واحد نحو التنمية لذا على كل دولة أن تختار الطريق الذي يناسبها. لا توجد طريقة واحدة في التفكير التنموي لذا يجب ان تختار كل دولة الطريقة التي تناسبها، ولا يوجد سبيل واحد إلى التنفيذ. هناك أولويات وبدائل تجب دراستها وتقييمها لكن الشيء الذي يجب ان يبقى في مركز المرمى هو الهدف لذا يجب ان نعرف ما الذي نريده من التنمية بالضبط. بعض التجارب التنموية قابلة للنقل وبعضها يتطلب مقادير معينة من المرونة في التطبيق لكن بعضها نتاج مجموعة أسبق من التجارب ولا يمكن دائماً تخطي التجارب الأسبق لأنها الأساس الذي قامت عليه التجربة النهائية. ما صُنع في دبي لم يُصنع لدبي وحدها لكن التجربة ليست مجرد فكرة بل قوانين وأنظمة وأدوات وتقنيات وفرق عمل ومراحل تتطلب كل منها معالجة خاصة. مثلاً إنشاء مدينة دبي للإنترنت أسهم في تركيز الاهتمام العربي على تكنولوجيا المعلومات، وتجربة الحكومة الإلكترونية قابلة في مفهومها وهيكلها العام وأدواتها للنقل لذا هناك سبع حكومات عربية إلكترونية، بينما سيلعب مركز دبي المالي العالمي دوراً مهماً في رفع مستوى المؤسسات والعمليات والخدمات المالية في منطقتنا وسينعكس ذلك إيجاباً على مناخ الاستثمار وكفاءة الأعمال وثروات الدول والأفراد. تجربتنا في إدارة المناطق الحرة مدرسة، وعندما طلبت منا إيران المساعدة لإنشاء مناطق حرة أرسلنا 16 وفداً حمل إليها الخبرة والتجربة، وقدمنا مساعدات مشابهة إلى لبنان وسورية والأردن وغيرها وسنتابع وضع تجاربنا في خدمة أشقائنا وجيراننا لأن تطورهم يكمل تطورنا. يجب دراسة أي تجربة وتعديلها بما يلائم متطلبات كل دولة وظروفها لكن بعض الأمور تتطلب الوقت والإمكانات. ظروفنا غير ظروف الآخرين، فالامتياز مثلاً، أو الجودة، فكرة عظيمة يجب ان تُطبق في كل الدول العربية لكن هناك قيوداً محلية في كل دولة تجعل تحقيق هذه الفكرة أمراً صعباً في الظروف الراهنة. تجربة تفعيل القطاع الحكومي تجربة ناجحة جداً ويجب ان تُطبق في كل الدول العربية لكن الصعوبات التي تنطبق على الامتياز تنطبق على تفعيل القطاع العام. لا يوجد تحليلان مختلفان لهذا الوضع. إذا لم نستطع تعميم مثل هذه التجارب فهناك خطأ إما في التجارب أو في الظروف. تجاربنا ليست نظريات. إنها أساس عملنا وقاعدة نجاحنا لذا نعتقد أن الظروف هي التي يجب ان تتغير. إذا كانت الرؤية صحيحة وسهلة الفهم فهي صحيحة في كل مكان بغض النظر عن مساحة البلد أو عدد الناس، وإذا كانت خاطئة فهي خاطئة في كل مكان. يمكن أن يتطلب تنفيذ الرؤية وقتاً أطول، ويمكن أن يكون التغيير المطلوب أكثر عمقاً لكن هذه الشروط تتصل بتنفيذ الرؤية وليس بالرؤية نفسها. تحدثت في سابق فصول هذه الكتاب عن مقومات صناعة التنمية وعددت شروطها الأساسية لذا لا حاجة للتكرار، لكن ان اضطررت إلى اختيار شرط واحد فقط لقلت إنه القيادة. إذا لم تلتزم القيادة بالتغيير فلن يحدث التغيير ولن يكون هناك تفعيل للقطاع الحكومي ولا امتياز ولا جودة ولا تنمية صحيحة. معظم الباقي أعذار وما ليس بعذر أدوات وتقنيات ضرورية يمكن شراؤها وتوفيرها في صورة أو أخرى. مثلاً نحن نحض الغرب من سنين طويلة على نقل التقنية إلينا. يا إخوان! ما هي هذه التقنية التي نحتاجها ولا نستطيع شراءها من أسواق الشرق أو الغرب؟ نحن أسسنا مدينة دبي للإنترنت في سنة واحدة ولم يكن لدينا تمويلها وتطلب ذلك تقنيات في غاية التقدم لم نجد صعوبة في الحصول عليها أو استخدامها أو توفيرها لكل الشركات الناشطة في المدينة وبعضها شركات دولية على رأس السلم التقني في العالم. إذا كنا نقصد بنقل التقنية تقنيات صناعة الأقمار الاصطناعية المتعددة الأغراض فماذا سنفعل بهذه التقنية الآن؟ ليس عندنا مصانع أقمار اصطناعية. إذا كنا نقصد بذلك تقنيات زراعة الزهور فأنا مع الحصول على هذه التقنية من أي مكان. قيمة صناعة الزهور في هولندا 50 مليار دولار سنوياً، وطقسنا مناسب وأرضنا صالحة ولبعض ورودنا سمعة عالمية عطرة منذ مئات السنين. يجب أن نكون دائماً عمليين وواقعيين ومتفائليين وان نركز على مكامن قوتنا وتفردنا ونحاول استغلال الخبرات والتجارب الناضجة. إن لم تكن الظروف الموضوعية لنقل تجربة ما متوافرة فيجب ألا نستخدم هذا النقص ذريعة لكي لا نعمل أي شيء. أقصر خطوة يمكن ان نخطوها أفضل من المراوحة في المكان. هذه الخطوة يمكن ان تكون فكرة التجربة لا التجربة نفسها لذا إن كانت هناك صعوبات في وجه تطبيق التجربة فلنعمم فكرة التجربة على الأقل. أحياناً مجرد الحديث عن الامتياز يثير في بعضنا على الأقل الرغبة في تحقيق درجة ما من الامتياز، مجرد الحديث عن تفعيل القطاع الحكومي يمكن ان يفعّل الحوار في شأن هذا الموضوع المهم ويؤدي إلى الاقتناع به وقبوله، وبالتالي يصبح نقل التجربة أقل جهداً وأسرع تنفيذاً وقبولاً وتعميماً. نحن بدأنا هكذا. |
|
| | #44 (permalink) |
|
vip ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | نقل التنمية أقصر طريق إلى إعادة إيقاد نار الخيال العربي الخامدة، وإطلاق القدرات العربية من عقالها لصنع نهضة تضاهي ما صنعناه في الماضي هو ان نعمل للمستقبل. التحسر طاقة سلبية يجب ان نحولها إلى طاقة إيجابية بالعمل واكتساب المهارات. الأمة العربية تملك كل مقومات التحول إلى دولة عظمى لكننا في حاجة إلى القوالب التنموية التي تُسهم في تحقيق هذا الهدف الواقعي والمطلوب الذي هو من حق شعوبنا. دبي ليست لديها تقنيات صناعة الأقمار الاصطناعية المتعددة الأغراض، حتى الآن، لكن لديها مجموعة من التجارب الناجحة التي نريد وضعها في خدمة الدول العربية لكن ليس بما لا طاقة للدول العربية به أو بما لا تقدر عليه. تحدثنا عن تجربتنا الإدارية في أكثر من مكان، وتعهدنا بوضع خبراتنا في هذا المجال تحت تصرف أشقائنا العرب ونحن نقصد ما نقوله ونعتقد ان هذا واجبنا. هناك تجارب أخرى كثيرة إذا تكررت في كل مدينة عربية في أي صورة كانت فإن المتحصل سيكون باهراً. الجزء لا يقابل بالكل لذا سنقابل الجزء بالجزء : - نستقبل نحو ستة ملايين سائح في العام ونقدم لهم الجودة في الخدمات في أكثر من 270 فندقاً من درجات عدة تحتوي على أكثر من 25000 غرفة وأكثر من 6500 شقة. العالم العربي موجود في أهم منطقة سياحية في العالم. إنه موطن أهم الحضارات ومكنز الآثار والتنوع. أكمل المدن الرومانية القديمة ليس في إيطاليا بل في ليبيا، وفي تونس وسورية ولبنان والأردن من آثار الرومان والإغريق ما يضاهي الموجودة في اليونان وإيطاليا. إذا توافرت الطاقة الرخيصة فإن الصناعات الثقيلة يمكن ان تدر الأرباح الكبيرة لكن إن لم تتوافر فلنركز على التجارة والزراعة المتخصصة والخدمات والسياحة ونسوق الشمس والبحر والطقس اللطيف والطعام الممتاز والأسواق القديمة النظيفة والكرم العربي لان هذه الخدمات تستوعب عمالة كبيرة ويستفيد من عائداتها الأفراد والشركات والحكومة على حد سواء. إن كلفة السياحة في الدولة السياحية التقليدية إلى ارتفاع وسيزداد تدفق السياح من دول الخليج ودول العالم الأخرى نحو الأماكن السياحية الأرخص، علاوة على أننا نمتاز عن الدول السياحية التقليدية بوجود الأمن الموفور عندنا والمضطرب عندها، ولذا إذا استطعنا توفير التسهيلات المناسبة فيمكننا نحن العرب ان نستقبل 200 مليون سائح في العام. هذا ليس رقماً كبيراً فإيطاليا وإسبانيا تستقطبان لوحدهما 100 مليون سائح. إذا أنفق السائح 1000 دولار فالمحصلة 200 مليار دولار في العام. - قيمة الناتج المحلي الإجمالي لدبي في عام 2005 نحو 37مليار دولار. ما هو الناتج المحلي الإجمالي لأمة عدد سكانها 330 مليون نسمة؟ 6000 مليار دولار؟ مثل هذا الرقم لا يقدم علينا سوى الولايات المتحدة فقط (12370 مليار دولار طبقاً لتقديرات 2005)، ويقترب من مجموع الناتجين في اليابان (3867 مليار دولار) وألمانيا (2446 مليار دولار) وهما ثاني وثالث أكبر اقتصادين في العالم. - أرباح مجموعة طيران الإمارات بلغت في السنة المالية 2004/2005 نحو 708 ملايين دولار. كم ستكون أرباح كل شركات الطيران العربية لو اعتمدنا مبادئ التشغيل نفسها؟ المليارات. ما هي قيمة الخسائر السنوية التي كنا سنوفرها على أنفسنا؟ المليارات. كم جامعة متميزة نستطيع ان نبني بثلاثة أو أربعة مليارات دولار؟ - عدد أعضاء غرفة تجارة وصناعة دبي نحو 80.000 عضو مسجل. إذا كان عدد أعضاء غرف التجارة والصناعة في كل الدول العربية مليوناً أو مليونين فهل نتصور ما الذي يمكن أن تفعله كل هذه الشركات والمؤسسات والمكاتب؟ المشاريع وفرص العمل والنشاط والثروة ستكون بلا حدود. - ليست لدينا المشاكل التي تفرزها البطالة لأنه ليست عندنا بطالة. مشاريعنا ستستوعب كل خريجي الجامعات خلال السنوات العشر المقبلة. قسم من الخريجين سيرسلون إلى الخارج لتلقي دورات خاصة، والباقون سيتلقون تدريبهم عندنا، ولدينا خطط ومشاريع لمساعدة الشباب على تأسيس الشركات والأعمال في مختلف المجالات. نعرف أن هذا سيكلفنا الكثير لكن ما سننفقه على التدريب والتأهيل استثمار كبير بالمستقبل لا نعرف أفضل منه. لا نتوقع ان يصبح الجميع رجال أعمال كباراً لكن فكرة ممتازة واحدة تنفذ بطريقة ممتازة يمكن أن تحدث تغييراً كبيراً في المجتمع. شركة ممتازة واحدة يمكن أن تفتح الباب أمام عشرات الآلاف من فرص العمل وتدر على الدولة المليارات. نوكيا الفنلندية إحدى الأمثلة التي أفكر بها لكن هناك عشرات الأمثلة الأخرى في العالم. من الأقوال الشائعة في الإدارة (إذا اعتقدنا ان ثمن التدريب غال فعلينا ان نتذكر ثمن الجهل). نسب التكاثر في الدول العربية من بين الأعلى في العالم ومعظم العرب شباب، أي إنهم في السن المناسبة لتلقي التدريب والإعداد لدخول سوق العمل. خلال 20 عاماً يمكن ان يصل عدد العرب إلى 425 مليون نسمة. بعضنا ينظر إلى كل هؤلاء على أنهم عبء على الموازنات وعبء على المجتمع ويتوقع مستقبلاً قاتماً يسوده الفقر والمتاعب. البشر ليسوا عبئاً. الخير في الناس وإن لم ينتجوا فلن يوجد الخير. إذا استطاعت الحكومات العربية تدريب العمالة وتمكينها من المهارات المناسبة فالمستقبل سيكون باهراً. سر تطوير المجتمع هو تطوير الفرد، وعندما تدريب الفرد فأنت تدرب المجتمع. المهم ألا نيأس والمهم أن نبدأ من نقطة ما بطريقة مدروسة صحيحة. هذه ليست مهمة مستحيلة فنحن فعلنا كل هذا ويستطيع الجميع أن يفعلوه. لماذا نريد التميز ؟ وعدت بالإجابة عن هذا السؤال المهم، وهذا مكان مناسب، وأنسب ما أقدم به جوابي هو السؤال المضاد : لماذا لا نريد التميز؟ بدأت هذا الفصل بالقول ان الامتياز في التنمية مفهوم حضاري متكامل وأعود هنا لأستكمل ذلك بالقول إن الامتياز جزء من تراثنا وديننا الذي يحضنا على إتقان أي عمل نقوم به وعلى التزام مكارم الأخلاق وعلى أهمية حسن التعامل مع الناس ومن ذلك قوله تعالى : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا ، وهناك أمثلة في الأدب والشعر والتراث والأمثال التي يتناقلها العامة تصب في الغرض ذاته. الأمثال الشعبية مهمة لأنها يمكن ان تكون تعبيراً عفوياً في لحظته عن تجربة ذات عمق في اللاوعي. أحد الأمثال الشعبية القديمة يقول : (الغالي سعره فيه). هذا مثل شائع يعكس بثلاث كلمات بسيطة واضحة عمق مفهوم الجودة في الشارع العربي بطريقة لا خلاف عليها ولا تعقيد. إنها أقوى تعبيراً من كل ما قرأته عن الجودة. التميز يعني الجودة لماذا لا نريد لأطفالنا ولشبابنا وأنفسنا الجودة سواء كنا في الإمارات أو في موريتانيا؟ كلفة الجودة ليست أكثر من كلفة اللاجودة على المدى البعيد وخدماتها متميزة ومذاقها أطيب. هذه أسباب مهمة لكن هناك أهم منها لذا سأقلب السؤال أعلاه إلى بيان نوايا وأقول : يجب ان نستمر في تحقيق الامتياز مهما يتطلب الأمر، ثم سأقلبه إلى تحذير في نهاية هذا الفصل. عالم اليوم غير عالم السبعينات من القرن الماضي. المستورد أو طالب الخدمة يستطيع البحث عما يريده في أي مكان في العالم وهو جالس امام شاشة الكومبيوتر. يستطيع ان يرى صورة ما يريده وأن يقارن أسعار السلعة أو قيمة الخدمة التي يريدها في أي مكان يريده. يستطيع الاطلاع على تقييم مستقل لنوعية وأداء السلع والخدمات، ويستطيع أن يطلبها وان يدفع ثمنها وأن يفعل كل هذا وهو في مكتبه أو بيته أو سيارته وخلال وقت قصير. التعامل مع الكومبيوتر لم يكن حتى قبل عشر سنوات شرطاً اساسياً للحصول على فرصة العمل لكنه الآن لم يعد ميزة في سباق الامتياز، أو خياراً. إنه مثل القراءة والكتابة ومن لا يستطيع التعامل مع الكومبيوتر لا يستطيع ان يعمل. بعضنا صار يجد صعوبة في كتابة رسالة على الورق، وبعضنا، وأنا منهم، يتابع أخبار الدنيا على صفحات الإنترنت، وصار الكومبيرتر لكثيرين منّا وسيلة التخاطب الأمثل مع المتعاملين والأقارب والأصدقاء ونافذة واسعة تطل على المعرفة والمعلومات والخبرة، وصار بالتالي أداة أساسية لصنع الامتياز. لم تعد للحدود الجغرافية اليوم الأهمية التي كانت سائدة قبل عشر سنوات فقط لأن الاقتصاد الجديد لا يعترف بالحدود، ولم تعد الحواجز الجمركية تعني ما كانت تعنيه قبل عشر سنوات. تقنية الأمس ليست تقنية اليوم وتقنية اليوم متوافرة بقوة أكبر وسعر أقل لذا يمكن تسخيرها لانتاج بضائع أفضل بتكلفة أقل. المواصفات اختلفت والأذواق اختلفت والمستهلك يعرف الجودة من غيرها ويعرف حقوقه جيداً لذا لم يعد يحتمل سلع وخدمات اللاجودة، ولم يعد مضطراً لشرائها من مكان واحد. أطفالنا يعرفون هذا اليوم ويشترون بعض ما يريدونه عبر الإنترنت فما بالك برجل الأعمال؟ أهم ما في الاقتصاد الجديد انه يمكن الناس من المقارنة والانتقاء. إنه يقدم للمستهلك خيارات لم تكن متاحة بهذا العدد الكبير لأي مستهلك آخر في الماضي. هذا يحدث الآن فتصوروا ما سيحدث بعد عشر سنوات! في عصر الإنترنت والاتصالات السريعة وتوافر الخيارات لم تعد الدول والشركات تستطيع المنافسة في الأسواق العالمية بأقل من الجودة لذا لم تعد الجودة كماليات. لم تعد الدول قادرة على إقناع مواطنها بشراء السلعة الوطنية لدعم الاقتصاد الوطني، ولم تعد أيضاً قادرة على إجباره على قبول خدمة اللاجودة في طائرات شركة الطيران الحكومية. المستهلك يريد أفضل مواصفات يمكن الحصول عليها لقاء المال الذي يدفعه وإن لم توفرها له الشركة الوطنية فسيشتريها من شركات أخرى في أي مكان. يجب ان نكون واقعيين. الحل في الماضي كان في لجوء الحكومات إلى منع الاستيراد أو فرض الضرائب العالية على الواردات لكي لا تترك للمواطن خياراً سوى الشراء السلعة المحلية لكن هذا لم يعد ممكنا بالصورة نفسها في عصر تحرير الأسواق وانفتاح الاقتصادات. العالم لم يعد يسمح بذلك. هذا ليس عصر السرعة فقط بل عصر الامتياز. لكي تستمر الدولة في تحقيق النمو والازدهار فإنها تحتاج إلى التميز في الناس والخدمات والبضائع لذا فإن تعاون الجميع لجعل دبي مثالاً يحتذى به في العالم واجب علينا جميعاً، ويجب ان يشترك الجميع في العمل البنّاء الذي سيجعل دولتنا مثالاً ناجحاً ويمنحها كل الفرص لكي تستمر مركزاً للامتياز. إذا أردنا المنافسة في الأسواق العالمية فعلينا اعتماد الجودة. إذا أردنا منافسة من ينتج الجودة فعلينا ان نكون أكثر جودة منه في الخدمة أو السلعة، أي علينا ان نكون متميزين. منطقة جبل علي الحرة أو شركة طيران الإمارات لا تنافس الشركات المتخلفة في الدول المتخلفة بل تقارع الجودة بجودة أفضل منها، ومطارنا وفنادقنا وشركاتنا تفعل الشيء نفسه. ما هي قيمة علامة : (صنع في ألمانيا)؟، أو : (صنع في سويسرا)؟ إن لم تكن بعشرات المليارات فإنها لا تقدر بثمن. وجودها على منتج معين تأكيد للمتسوق في أي مكان من الدنيا بأنه لا يشتري السلعة فقط بل الإتقان الذي يرافقها. إنها علامة تجارية لا يمكن الحصول عليها حتى لو نظمت أكبر حملة إعلانية في العالم على مدى السنين لأن هذه الكلمات الثلاث تعني الجودة والثقة في عقول الناس، وتتضمن قيمة مضافة معينة لذا نرى شركات البلدين تحرص على ختم منتوجاتها بهذه العلامة. هذا لم يأت صدفة أو بالتمني بل بالعمل المتميز وبمتابعة أداء العمل المتميز والاصرار على تحقيقه على مر السنين. نريد أن نتوصل إلى معادلة مماثلة. نريد ان تعني علامة : (صنع في دبي) الامتياز ليس في منطقة الخليج والعالم العربي فقط بل في العالم كله لأننا نتجه إلى العالمية. نريد إنتاجنا الصناعي ان يتحمل هذه العلامة بما يجب ان تتضمنه من الجودة والتزام المقاييس والمواصفات العالمية، لكن نريد ان ننقل ذلك إلى الخدمات. أكبر نشاط اقتصادي في العالم اليوم ليس الصناعة أو الزراعة بل الخدمات لذا نريد ان نسوق الإدارة والتنظيم والتخطيط والفاعلية و .... الامتياز. لهذه الأسباب والعشرات غيرها نريد الجودة والامتياز والريادة وسنصر على كل هذه المبادئ دائماً ليس لأنها أهداف يريد محمد بن راشد آل مكتوم تحقيقها لغرض شخصي بل لأنها ضرورة حاسمة لاستمرار تقدمنا. إن لم نحققها فسنخسر السباق وسنبدأ التراجع. التراجع في هذه الحالة لا يعني أننا سنكون في نهاية رتل الغزلان فقط. إنه يعني اننا سنصبح أقرب أفراد الرتل إلى مخالب الأسد. |
|
| | #45 (permalink) |
|
vip ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | الطريق إلى المستقبل - الفصل الثالث عشر سباق الأمم والشعوب قلت قبل خمس سنوات ان طريق الريادة والنجاح لا يزال مفتوحاً أمام الجادين في المسيرة والراغبين في العطاء فهذه البداية، وما أنجزناه حتى اليوم لا يزيد على 10 في المئة من أهدافنا. ومنذ ذلك التاريخ أضفنا إلى الإنجازات السابقة الكثير وبدأنا عدداً مهماً من المشاريع الكبيرة ضمن رؤية تمتد حتى منتصف القرن الجاري لكن ما زلت اعتقد أن ما حققناه حتى الآن لا يزيد على 10 في المئة من أهدافنا، وأننا لا نزال في بداية السباق الطويل. عندما نتحدث عن المستقبل فنحن نتحدث عن التحديات. طموحاتنا كبيرة ونتوقع ان تكون التحديات التي سنواجهها بحجم الطموحات، وستتوقف قدرتنا على تجاوز تلك التحديات على العمل والتخطيط والاستعداد والتفاؤل والثقة بأنفسنا وبقدراتنا، وعلى أملنا الكبير بأننا نستطيع ان نصل إلى أهدافنا. التحديات الكبير هي التي تصنع الشعوب الكبيرة، وحين أنظر إلى الماضي ثم أعود وأنظر إلى المستقبل فأنا مقتنع في قرارة نفسي بأننا سنتغلب على تلك التحديات وسنحقق النجاح لأننا فعلنا هذا في الماضي وسنفعله في المستقبل. أهم أسباب القوة التي يتمتع بها اتحاد الإمارات قدرته على قهر التحديات التي واجهته خلال أكثر من ثلاثين عاماً، والتكيف بسرعة مع مختلف المتغيرات. هناك عدد كبير من التحديات الماثلة في الطريق إلى المستقبل لذا يجب ان نتحرك على جبهات عدة. يجب الاستمرار في تطوير التعليم وتنمية الكوادر البشرية وتعميق المشاركة الشعبية وتطوير المؤسسات البرلمانية التمثيلية ودعم الدور القيادي للقطاع الخاص وتفعيل القطاع العام وتعزيز الشفافية في كل القطاعات وتوسيع دائرة الحوافز الاستثمارية لتتعدى المناطق الحرة ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وتطوير برامج تمويل المشاريع الناشئة ومحاربة الفساد وتبسيط الإجراءات ومتابعة الإصرار على تقديم الجودة والامتياز في كل شيء. إن التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية وتطوير مناخ الاستثمار وتحسين البنية التحتية والاهتمام بإصلاح التشريعات والأنظمة وتمتين الشراكة بين القطاعين العام والخاص والتعرف إلى آراء الناس وإبراز دبي كمركز دولي للتميز والإبداع متطلبات أساسية لا تعرف النهاية ولا تتوقف عند حد، ويجب ان نستمر في دراسة أفضل الطرق لتحسينها وابتكار الحلول الجديدة لزيادة فعاليتها وجدواها وفوائدها. يوجد في مجتمعنا الكثير من المظاهر السلبية الصغيرة التي لا ننتبه إليها دائماً لكنها تؤثر في مجموعها في الأداء سواء على مستوى الفرد أو الشركة أو المجتمع وينبغي التخلص منها بالسرعة الممكنة من خلال تشجيع السلوكيات الإيجابية وترسيخ الأمانة وتطوير الأداء لأن كل هذا سيؤدي إلى نتائج إيجابية على المدى الطويل ويحقق الاستغلال الأمثل للموارد ويُسهم في توفير البيئة التي تساعد على تعميق الامتياز والإبداع. التغلب على تحديات قرن جديد في ألفية جديدة يتطلب تفكيراً جديداً وأساليب مبتكرة يمكن الاستفادة منها في تطوير المجتمع وتعجيل حركة التنمية، وهذا يقتضي التغيير. التغيير يعني القبول بالجديد المفيد والاقتناع النهائي بأن القديم غير المفيد لم يعد مناسباً وآن أوان طرحه من العقول والممارسة. إنه يعني تغيير أنماط التفكير والقدرة على فهم اللغة التي يتحدث بها العالم، والقدرة على نقل رسالتنا وأهدافنا ومواقفنا بالوضوح والبساطة والصراحة التي تمكن العالم من فهمنا وبالتالي تعميق التعاون بين الشعوب وإزالة مكامن سوء الفهم وإتاحة المجال لتوجيه كل الجهود إلى صنع التنمية. إن أهدافنا استراتيجية، وتخطيطنا استراتيجي، وتطلعاتنا استراتيجية لذا فإن التغيير الذي نتحدث عنه يجب ان يكون بالضرورة تغييراً استراتيجياً يستجيب لكل ما تقدم ويتوافق معه. اكتسبنا خلال الثلاثين سنة الماضية خبرة واسعة في ابتكار الحلول للتغلب على المشاكل التي واجهتنا خلال عملية الانتقال بدبي إلى العصر الحديث وعلينا ان نكون مستعدين لمقارعة أدق هذه التحديات وأصعبها وأكثرها تعقيداً. هذا الاستعداد يتطلب منا جميعاً النهوض بمسؤولياتنا وتوخي الواقعية في التحليل والقرار وفرز الحقائق عن الأوهام وتحديد الأهداف والاتجاه والأولويات بدقة تمهيداً لحشد الموارد اللازمة لتنفيذها. إذا تطلب الانتقال إلى هذه المرحلة العبور على جسر جديد آخر فيجب ان نكون مستعدين لقطعه في الوقت المناسب وبأسرع وقت. إذا تطلبت المراحل المقبلة أكثر من هذا فيجب ان نكون مستعدين لقطع عدة جسور في آن واحد. يجب ان نكون مستعدين لتذليل المستحيلات ومصالحة الأضداد في أي وقت وفي أية مرحلة. إذا كان البعض يعتقد ان هذا ضرب من المعجزات فأود أن أذكره بأن التحديات هي التي تصنع المعجزات. الســلام عندما نتحدث عن المستقبل فنحن نتحدث عن السلام يكن يجب ان نكون واقعيين. شعوب هذه المنطقة عافت النزاعات المسلحة والتهديدات والتوتر وهي تريد السلام العادل والاستقرار والأمن لكن جل المظاهر السلبية لا يزال مستمراً في صورة أو أخرى والسبب واضح هو عدم توافر إرادة كافية لإحلال السلام وبناء الاستقرار. إنني أحمّل الدول الكبرى مسؤولية مباشرة للحال المؤسفة في الشرق الأوسط لأن الدول الكبرى وحدها هي القادرة على تطبيق قرارات الشرعية الدولية، وهي وحدها القادرة على دفع المنطقة في اتجاه الحلول العادلة كافة. لا أعرف في العالم منطقة تأثرت بالتوازنات والمنافسات الدولية خلال نحو مئة عام مثل منطقتنا لأن القوى الكبرى تعاطت مع قضايا الشرق الأوسط بمنطق السمسار لا بمنطق الحكم العادل والوسيط المحايد، وسعت إلى تصريف القضايا بما أملته متطلبات مصالحها الآنية لا بما يمليه إنجاز الحلول العادلة وبما يتوافق مع القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة. ونرى اليوم تغيراً إيجابياً يعبر عن نفسه بمحاولات جادة على المستوى الدولي، خصوصاً في أوروبا، للوصول على جذور المشاكل والتعرف على مكونات التربة التي تنمو فيها والمواقف التي تتغذى منها، لذا نرى ان الحل العادل للصراع العربي الاسرائيلي يمكن ان يعالج بعض الجذور، وان الاسهام في إخراج العراق الشقيق من محنته يمكن ان يعالج جذوراً أخرى، وان تحقيق التنمية الصحيحة والاصلاح السياسي وتوطيد العدالة الاجتماعية ستعالج جذوراً إضافية، بينما أرى ان يتحرك التعاون الدولي للتصدي للإرهاب على مسارين في آن : مسار المستوى الأمني المباشر، ومسار التعاطي الفاعل مع جملة القضايا التي أشرت إليها. وعندما أحمل الدول العظمى المسؤولية المباشرة للحال المؤسفة في الشرق الاوسط فأنا لا أغفي أصحاب الشأن العربي من المسؤولية فبعضهم يوفر بسياساته وتصرفاته الذرائع والأسباب، وبعضهم لا يحسن قراءة واقع النظام الدولي، وبعضهم لم يتمكن بعد من تحكيم العقل في القرارات التي تتحكم بها العاطفة. إن الطريق إلى تلافي هذه السلبيات يكمن في الاحتكام إلى العقل والعدل والمنطق، وتغليب الكبائر على الصغائر، ووضع هدف بقاء الأمة فوق فنائها، ورفض الارهاب جملة وتفصيلاً، وتقديم مصلحة الوطن على مصلحة الفرد وإعلاء صوت العقل على صراخ الحناجر. لا نعرف شيئاً محدداً ربحناه من كل الحروب التي خاضها العرب خلال الخمسين سنة الماضية لكننا نعرف ان حربي الخليج الاولى والثانية امتصتا أموال المنطقة أو أعاقتا تقدمها وأضعفتا استغلال مشاريعها وقيدتا حركة التنمية إلى ارض الركود سنوات. الوضع خارج منطقتنا ليس أقل اضطراباً وتعقيداً لذا لا تزال أمام الإنسانية فترة طويلة قبل أن يعمها السلام. البعض عاد إلى أجواء القرن التاسع عشر ليتحدث عن صراع الحضارات والأديان. أعتقد ان الوصف الصحيح هو الصراع على المصالح. البعض يتحدث عن عداوة بين المسلمين والمسيحيين. هؤلاء لم يقرأوا القرآن بعد. البعض لا يزال يعتقد أن الانتصار العسكري هو أفضل سلام. هؤلاء لم يقرأوا التاريخ جيداً بعد. لا يوجد في تاريخ الشعوب الكبيرة انتصار دائم أو هزيمة دائمة. الحرب العالمية الأولى انتهت بانتصار كبير لكن الحرب العالمية الثانية كانت أكثر ضراوة وأشد فتكاً من كل الحروب التي عرفها العالم. الشرق الأوسط بعد أربع حروب كبيرة وعشرات الحروب الأصغر ليس أقرب إلى السلام اليوم مما كان قبل عشر سنوات لذا فإن الأهم من الذي يشن الحرب هو الذي يشن السلام. البعض يعتقد ان الحروب طريق استنهاض الاقتصادات الهابطة. هؤلاء لا يعرفون أهمية السلام بعد. الإنفاق الحكومي يُسهم في استنهاض الاقتصادات سواء كان على السلاح أو المستشفيات فليكن على إدامة الحياة لا على إزهاقها لكن الذي يحرك الاقتصادات اليوم ليس الانفاق الحكومي بل الإنفاق الشخصي. الشخص القلق والخائف والمقبل على حرب لا ينفق إلا على الضروريات وفي أضيق الحدود لهذا انهارت تجارة اللؤلؤ في الخليج. سياساتنا العربية والدولية حيادية ومتوازنة تقوم على مبدأ تجنب الدخول في الصراعات والتحالفات الدولية. لا نخاف ولا نخيف ولا نمارس الضغوط على أحد ولا نقبل من أحد ان يمارس علينا الضغوط ولا نتدخل في شؤون أحد ولا نسمح لأحد بالتدخل في شؤوننا. علاقاتنا جيدة مع الجميع، وليست لدينا أي مطامع في أي مكان. نريد إبقاء جسورنا مفتوحة، ونريد ان نكون محل ثقة الجميع. اقتناعنا بالسلام قوي لكن السلام الحقيقي لن يتحقق ما لم يكن منصفاً وما لم يكن قناعة الجميع به يمثل قوة قناعتنا. كل ما نريده تصفية النزاعات على أساس الشرعية الدولية وإعادة كل الحقوق إلى كل أصحابها وتحقيق المساواة لجميع البشر ورفع الحصار عن كل العرب لكي نتابع تطوير بلادنا ونستكمل تنفيذ رؤية تحقيق الامتياز والريادة. هذا هو هدفنا الكبير وكل الكلام عن وجود تهديدات للمنطقة في المستقبل ضوضاء من حولنا لن نسمح لها ان تستوقفنا لأننا نعتقد أن لغة الحرب لا تحل شيئاً لا تستطيع لغة الحوار ان تحله سواء كان الخلاف بين المغرب وشقيقتها العربية الجزائر، أو بين الإمارات وجارتها المسلمة إيران. إن أهم مميزات التنمية التي عرفتها الإمارات ليس صفتها الاستمرارية والتفاؤلية والإيجابية فقط بل استمراريتها وتفاؤلها وإيجابيتها حتى عندما يصل التوتر في المنطقة إلى الأوج وتسيطر الطاقة السلبية على التفكير. نحن متفائلون بالمنطقة وبمستقبلها لأننا متفائلون بالسلام، ونعتقد ان استتباب أمن المنطقة واستقرارها وإبعادها عن التوتر عوامل أساسية في متابعة تحقيق النمو والازدهار خصوصاً ان المنطقة ككل تتسم بحساسية خاصة لأنها من أهم منابع النفط وصناعات البترول والغاز في العالم. إن تفاؤلنا عميق وآمالنا كبيرة لكن يجب ان نكون واقعيين دائماً. أحد الأحلام التي أتمنى دائماً ان تتحقق هي ان أزور القدس وأصلي في الأقصى، وكلما اعتقدت ان الامنية تقترب من التحقق ارتكس السلام وابتعد الحلم مرة اخرى. جاء وقت اعتقدنا ان القرن العشرين يمكن ان يصبح قرن السلام العالمي بعدما ذاقت البشرية مرارة الحروب الطاحنة لكنه انتهى كأكثر القرون التي عرفها الإنسان دموية وظلماً. لا نستطيع تعليق التنمية إلى ان يصبح السلام حقيقة واقعة وتنتهي مرحلة طويلة جداً من التوتر لم تعرفها المنطقة في تاريخها الحديث لذا يجب ان نعتمد في تخطيطنا التنموي كل البدائل المناسبة. |
|
| | #46 (permalink) |
|
vip ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | الديمقراطية عندما نتحدث عن المستقبل فنحن نتحدث عن الحق في الاختيار. والدي يرحمه الله لم يفرض علينا رأياً وربانا على حرية الاختيار، وأنا مقتنع بأن هذا هو الاسلوب الصحيح في التعامل مع الناس وبين الناس لأن الاقتناع أقوى تأثيراً وأكثر ديمومة من كل أنواع القسر. أبسط قواعد الديمقراطية الاختيار. إذا جاءت الديمقراطية بمرسوم فستذهب بمرسوم. إذا قسرنا المجتمع على مفهوم مثل الديمقراطية قبل إتاحة التحاور في شأنه على أوسع نطاق ممكن فنحن ندفع المجتمع إلى قفزة مفاجئة في فراغ. إذا أردنا فرض الديمقراطية على الناس فإننا ننفي أهم قواعد الديمقراطية لذا يجب عدم استخدام الديمقراطية سلاحاً جديداً للتهديد والتدخل والفرز وإبعاد الأنظار وفتح جبهات جانبية على معارك ليست حاسمة في هذه المرحلة. لا يوجد في الديمقراطية ما يخيفنا لأننا نمارس الديمقراطية التي تناسبنا منذ زمن طويل. المخيف هو المضاعفات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحادة التي يكتشف شعب ما فجأة أنه وقع فيها نتيجة اختيار القيادة القفز فوق المشاكل الحقيقية التي تواجهها وتبني نظام مثل الديمقراطية الغربية قبل ان تعد الناس له إعداداً جيداً. للديمقراطية فوائد ومزايا كثيرة إذا طبقت بشكل مناسب في المناسب من المجتمعات لكنها ليست وصفة سحرية لكل المشاكل. إنها ليست دواء كل علة اجتماعية واقتصادية وسياسية. إنها لا تولد الوظائف ولا تحمي من الكساد ولا تضمن انتخاب الأصلح ولا تعيق شن الحروب المدمرة واستفراد الزعامات بالسلطة. بعض الأنظمة يتصرف كأن الديمقراطية مجرد إدلاء الناخبين بأصواتهم، والبعض باسم الديمقراطية يخرق القوانين الدولية بالجملة ويدمن على ارتكاب فظائع لا نعرفها في أخبث الديكتاتوريات، والبعض لا يصلح أحواله إلا في سنة الانتخابات العامة. وجودنا في المنطقة ليس مؤقتاً ولم تولد أمتنا قبل مئة سنة أو مئتين. نحن هنا منذ آلاف السنين وننوي ان نبقى هنا آلاف السنين، ونحمل في عقولنا وضمائرنا وطبيعتنا وفي الوعي واللاوعي تراكمات حضارات وتراث وعادات كل تلك الألفيات. إذا غير الإنسان كل هذا لكي يكون ديمقراطياً غربياً فسيكون في حاجة إلى من يدله على نفسه لأنه لن يكون الشخص الشرقي ذاته. نحن جزء من العالم الكبير بتطلعاتنا وأهدافنا وتعاوننا لكن لنا تفردنا وأوضاعنا الخاصة مثلما لجميع الشعوب والأمم الأخرى تفردها وأوضاعها الخاصة. الديمقراطية ليست معطفاً يجب ان يناسب كل من يرتديه. ما يلائم الغرب في مرحلة معينة من تطوره السياسي والاجتماعي ربما لم يكن مناسباً للشرق في مرحلة تطور أخرى، ومها يناسب الجنوب ربما لم يكن مناسباً للشمال، وما يناسب قاطن الجبال لا يناسب ابن الصحراء. أنا لست ضد الديمقراطية التي يختارها الناس نتيجة الدراسة والقناعة ولست ضد أي نظام آخر يصون الامن والاستقرار والحقوق والأخلاق، ويسمح لي بالتعبير عن رأيي، ويكفل لي حريتي الفردية وممارسة إنسانيتي وديني وعاداتي وتقاليدي. لكن يجب ان ننتبه في الوقت نفسه إلى ان (الخصوصيات) و (التفرد) ليسا رخصة لإعاقة الإصلاح الحقيقي واستمرار الظلم ووقف بناء المؤسسات وعرقلة التنمية وكبت الحريات الشخصية والعامة وتجاهل الحقوق فكل ما نريد قوله هنا إن الدول التي تظل وفية لديمقراطيتها في سلامها وحربها قليلة، والأقل منها عدداً الدول التي تستمر في صون الحريات المدنية لمواطنيها عندما تتهددها المخاطر أو تحيط بها الضغوط الأمنية والاقتصادية. أحد مظاهر الديمقراطية هو الخروج عن الإجماع وقول (لا) وفق ما يمليه ضمير القائل حتى عندما يقول الجميع (نعم)، والدعوة إلى التغيير عندما يدفع القلق الناس إلى التشبث بالراهن المألوف. هذه المواقف لا تصبح سهلة أو حتى ممكنة في أوقات الشدة ناهيك عن أوقات الحرب، لكن هذا لا يحدث في الأنظمة الديمقراطية فقط ومن يعتقد غير هذا فإنه لا يعرف جيداً كيف نفكر. العرب يعيشون في منطقة لم تعرف السلام الطويل إلا لماماً. (لماماً) هنا لا تعني منذ سنتين أو عشرين أو مئة ومئتين بل منذ الحملة الصليبية الثانية قبل أكثر من 900عام. كلما انتهت حرب وجدنا منطقتنا على أبواب حرب أخرى وكلما خرجنا من نفق مظلم وجدنا نفقاً مظلماً آخر في الانتظار. نحن نعتقد أن كل الأصوات يجب ان تعلو على صوت المعركة ما لم يكن الهدف هو الدفاع عن وجود الوطن لكن هذه المقولة الشائعة في كثير من الدول العربية لم تأت من فراغ. لهذا أعتقد انه على من يريد للعرب الديمقراطية ان يريد لهم أولاً شيئين آخرين : استمرار السلام لكي يتحول الإنفاق العسكري إلى الإنفاق المدني، وتحقيق التنمية الصحيحة لكي تكون للناس مصلحة في ضمان استمرار السلام. العولمة العولمة في منظوري بيئة عمل اقتصادية عالمية جديدة تهدف إلى تحقيق درجة عالية من الاندماج في النشاطات التجارية والمالية والخدمية وتتضمن التزام مجموعة من المبادئ والأنظمة وإحداث تغييرات عميقة لم يعرفها العالم في الماضي. بعض الدول أكثر تفاوتاً في مراحل تطورها الاقتصادي من دول أخرى وأكثر مرونة وقدرة على التعامل مع ما يطرأ على الاقتصاد العالمي من تغييرات ومستجدات لذا فإن التحديات التي تواجهها في إطار العولمة أقل حدة من الاقتصادات الأخرى. ويكثر الحديث والتحليلات عن بيئة العولمة الجديدة في ما يختص بالاقتصاد وغيره من الأنظمة الأخرى التي تنتظم في سلكها نشاطات كثيرة لكننا على درجة كبيرة من الجاهزية لان نتعاطى مع بيئة العولمة الجديدة بكل جدارة وامكانات واستعداد وان نستفيد مما تطرحه هذه البيئة من فرص ومجالات مستحدثة. ولن نكون أبداً في موضع الأخذ والتلقي وإنما نحن كعادتنا في صدارة المستوعبين لكل جديد نافع والمتفاعلين مع ما تقدمه العولمة من معطيات حديثة، والمؤثرين فيها بصورة كبيرة مع قناعتنا التامة بقدرتنا على الفحص والتمييز بين ما ينفعنا فنتعاطى معه بصدر مفتوح وإيجابية مطلقة وتطويره إلى الأحسن للاستفادة القصوى منه وإفادة غيرنا، وبين ما لا رغبة لنا فيه فنتفاداه ونستبعده من دربنا وحساباتنا. ولم نعد اليوم ولا غيرنا معزولين عن العالم فنحن جزء أصيل من هذا البحر البشري من حولنا نتأثر به ونؤثر فيه ولدينا قناعاتنا ومبادئنا وقيمنا التي تحكم مسيرتنا وتعاطينا مع بيئة العولمة الجديدة التي تفرض نفسها على الجميع. ومن هذا المنطلق الواعي والفهم المتحضر تتكون لدينا في دبي قدرة على استيعاب الجديد والتأثير فيه سواء في مجال الاقتصاد أو غيره من الشؤون الحياتية مع الاحتفاظ بخصوصياتنا وبالذات في مجال الفكر والعقيدة والقيم الخلقية لأننا من أمة أصيلة منتمية إلى حضارة ذات قيم ومبادئ استفاد العالم منها في كثير من المجالات وبالذات في ما يخص العلوم والمعارف فقد حفل تاريخنا العربي في الاندلس وغيرها من المناطق بعلماء أفذاذ أسسوا علوماً كثيرة وبرع كثيرون منهم في مجالات الطب والرياضيات والفلك ولا يزال العالم يدين لفضل معارفهم. ولذا نحن جاهزون تماماً للتعاطي مع كل جديد من البيئات والأنظمة الاقتصادية وغيرها دون أية عوائق لأننا حددنا رؤيتنا الواضحة ونملك من الوسائل ما يعيننا على بلوغ أهدافنا فنحن في معاصرتنا أكثر تحمساً للاقتصاد الجديد وخاصة في ما يتعلق بالشق المعرفي منه وهو ما يطلق عليه اقتصاد المعلومات. وتتحدد نظرتنا إلى العولمة ليس بوصفها هدفاً في حد ذاتها وإنما طريق جديد إلى التنمية لذا فنحن راغبون في الانخراط فيها لأنها تناسب استراتيجيتنا التنموية بعيدة المدى، ونعتقد انها من أفضل الأوعية المتوافرة لإنجاح هذه الاستراتيجية وتطويرها وإبراز تكاملها مع الاقتصاد العالمي. إنها مضمار لسباق التنمية الكبير بين الشعوب والأمم، وفرصة متاحة للإمارات وكل الدول الأخرى للمساهمة في جعل العالم مكاناً أكثر سلاماً وتفاهماً وإنتاجاً. لكن أهم عنصر في أي سباق هو الجواد لذا نعتقد أننا نملك الخطط والرؤى والإمكانات الذاتية لاثبات قدراتنا في مجال هذه العولمة والتأثير فيها. إن اعتماد الدول على الدول الأخرى في نموها لا يتقلص بل يزداد، ولا توجد في العالم اليوم دول تستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي الحقيقي من كل شيء بما في ذلك الولايات المتحدة التي تتمتع بامكانات صناعية ومالية كبيرة. وموطن العولمة في العامل وليس دولة واحدة أو اكثر فلا مفر إذن من التماشي معها والتفاعل مع كثير من معطياتها الإيجابية ولن نكون كوضع النعامة عند الخطر لأن ذلك ليس من مصلحة أي دولة. وأمنيتي ان يكون في محيط العولمة حيز واعتبار لمصالح كل الدول وتشجيع التنمية وحماية البيئة مما يتهددها من مخاطر وتقليص الهوات الاقتصادية والتمويلية والتقنية والمعلوماتية والمحاولة الجادة للمساهمة في تخفيف وطأة الفقر وإنهاء المجاعات والجهل والامراض وكل الآفات الأخرى التي أخفق العالم حتى الآن في التصدي لها بالجدية المناسبة. أما إذا لم يكن ذلك في اعتبار العولمة فلن يتوافر لها القبول اللازم الذي هو سبيل مهم لنجاحها. الإمارات عضو في منظمة التجارة العالمية منذ إبريل 1996 وممارس قديم لمبدأ التجارة الحرة منذ زمن طويل، ونحن جاهزون بفاعلية ومستعدون لمواجهة متطلبات التحول الاقتصادي العالمي في إطار اتفاقية التجارة العالمية، ومستعدون من الآن لمواجهة متطلبات العصر الاقتصادي الجديد حتى منتصف القرن الجاري وما بعده لآن انتظار قدوم الأحداث قبل التعامل معها لم يكن خيارنا في الماضي ولن يكون خيارنا في المستقبل. لا يوجد اقتصاد واحد أو تكتل اقتصادي واحد يستطيع ان يقدم نفسه كبديل للاقتصاد العالمي، ولم يعد اقتصاد واحد أو تكتل اقتصادي واحد يستطيع احتكار التنمية أو التقنية أو إغلاق الأبواب الاقتصادية المفتوحة على العالم. المصالح ستتغلب في النهاية على الأهواء، والمنفعة الدائمة ستتغلب على المنفعة المؤقتة، وستتجاوز الدول مخاوفها الراهنة وتعود إلى الاقتناع بان صنع الفرص التنموية الحقيقية يتطلب سوقاً دولية تفوق كل ما هو متوافر اليوم حجماً. طريق تحقيق هذا الهدف هو إزالة الحواجز الاقتصادية بين الدول واستمرار العمل لتحويل الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد أكثر تكاملاً وفاعلية في أجواء المنافسة الصحيحة، والتعاون الصادق بين كل الدول بغض النظر عن انتماءاتها وفلسفتها وأنظمتها السياسية. العدو الدائم للإنسانية هو الجوع والمرض والجهل وليس الحضارات أو الأديان الأخرى، ويجب ان نتعاون للقضاء على هذه المؤرقات للانسانية جمعاء. التنمية الاقتصادية مفتاح لكل تنمية أخرى، وأحد أهم عوامل نجاح الاقتصاد ان يجد الناس المال في جيوبهم لينفقوا ويسرعوا دوران عجلة الاقتصاد وهذا يتطلب توفير فرص العمل واستتباب الأمن والعدل والسلام وضمان حقوق الناس وحرياتهم ومصالحهم الاقتصادية. |
|
| | #47 (permalink) |
|
vip ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | المهـارات لا الآلة ولا رأس المال يصنعان الازدهار ويقهران المستحيل بل الإنسان. ومن فضل الله علينا أننا تنبهنا في وقت مبكر إلى هذه الحقيقة، واستشرفنا المستقبل وأخرجنا القدرات والطاقات الخلاقة في مجتمعنا. أعتقد ان الاستمرار في تلقين الطلاب المعارف التقليدية بالصورة التقليدية وفي بيئة التعليم التقليدية نوع جديد من الأمية لم يعد لها مكان في أي مجتمع يريد الانضمام إلى السباق العالمي الجديد لتحقيق التنمية المتميزة الجديدة. النجاح في هذا السباق يقتضي إعداد أجيال مؤمنة بربها ثم مدركة لالتزاماتها الوطنية ومؤهلة تأهيلاً على المستوى العالمي في مختلف التخصصات والمعارف الإنسانية المعاصرة من خلال تطوير مناهج التعليم والارتقاء بمهارات المعلمين وإتقان التعامل مع التقنيات الحديثة وتوفير بيئة مدرسية تحفز البحث العلمي والابتكار وتوقد روح الإبداع طبقاً لاستراتيجية متطورة قابلة للتطبيق تأخذ في الأولوية أهمية التعليم كركيزة حيوية لمسيرة التنمية الشاملة. لذا عندما نتحدث عن المستقبل فإننا نتحدث عن تميز الناس وتميز التعليم والمهارات والقدرات والاستقلالية في التفكير وصقل الخبرات المحلية لبناء مخزون من الموارد البشرية القادرة على التعامل بكفاءة مع التحديات التي ستواجهنا وتقديم أعلى مستوى ممكن من الإنتاج والخدمات. يجب تعزيز المرحلة الأساسية من اكتساب العلوم والمهارات بتوفير المراكز والمؤسسات والمعاهد والهيئات والآليات التي تقدم أكثر البيئات مثالية لإثراء المعارف وتشجيع الإبداع وإخصاب المبادرات والابتكار وحفز الطموح وإعداد الكوادر الإدارية للمجتمع والأعمال. إن الهدف من مبادراتنا القائمة وتلك التي سنقدمها للمجتمع في المستقبل هو تجسيد الحرص على شمولية عملية التنمية بتأكيد البعد الاجتماعي الذي نوليه اهتماماً كبيراً وتتضمن ركائزه العناية بالتنمية البشرية وتأهيل الكوادر المواطنة ودعم جهودها في مختلف المجالات. الاستعداد للمستقبل يعني في المكان الأول إعداد الشباب المواطن لقيادة حركة التنمية الآتية انطلاقاً من القناعة الثابتة بدورهم الحاسم في مواصلة مسيرة النهوض الاقتصادي وتسخير طاقاتهم الفاعلة لخدمة مجتمعهم. لدينا ثروة كبيرة من المواهب الشابة التي يقع على عاتق كل قطاعات المجتمع واجب تنميتها بالتعليم المناسب والتدريب والدعم والتشجيع وإبراز المهارات والطاقات واحتضان المبادرات الخلاقة في كل المراحل لكي يتمكن الشباب من تحقيق النجاح لان التنمية المتميزة تتطلب تميز صانعيها في التجارة والصناعة والإدارة والخدمات وكل نواحي النشاطات الأخرى. وسنستمر في الوقت نفسه في جذب أصحاب المهارات والمواهب والاختصاصات الدقيقة للمساهمة في إثراء مخزون الخبرات وصنع الفرص وتطوير الأعمال الجديدة في الاقتصاد القائم على التقنية والمعرفة. نفذنا عدداً مهماً من المشاريع الكبيرة ونحن في طريق تنفيذ عدد آخر من المشاريع الاستراتيجية لكننا نريد اقتصاداً يقوم على أكبر قاعدة ممكنة من الشركات الصغيرة والمتوسطة. الشركات الكبيرة كبيرة الآن ويمكن ان تحقق نمواً أفضل في المستقبل لكننا نريد توسيع الأسواق وزيادة الفرص وبالتالي تمكين الشركات المتوسطة والصغيرة من التحول إلى شركات كبيرة في المستقبل لكي توفر بذلك قاعدة إقتصادية كبيرة لاقتصاد أكبر. كثيرون لا يحبون أخذ المخاطرة الاقتصادية أو لا يقدرون عليها لذا يجب ان تأخذ الحكومة المبادرة من خلال تنمية روح الأعمال في الشباب واحتضان مبادراتهم وتذليل العقبات التي تقف في طريق تحولها من أفكار ناجحة إلى مشاريع ناجحة، وتطوير أدوات وبرامج تمويل المشاريع الناشئة. إننا نتوقع ان تفرز المشاريع التي ننفذها مئات المشاريع المساندة لها أو المتصلة بها، وأن تسهم في توفير الظروف التي تحفز الشباب على إنشاء المشاريع الخاصة بهم والاستثمار في الاقتصاد الوطني بما يشمل قطاعات الاقتصاد التقليدي وقطاعات الاقتصاد الجديد لا سيما خدمات المعلومات والاتصالات والتجارة الالكترونية وغيرها. وسنتولى هذه المشاريع الناشئة بعناية كافية تتضمن تقديم الخبرات والمعرفة والخدمات الاستشارية والمتابعة والتمويل والتسويق، ومن ثم زيادة الدعم بمستوى يوازي مستوى النجاح الذي يحققه المشروع. الرؤية والمستقبل ان الهدف النهائي لكل رؤية يضعها أي قائد هو خدمة شعبه لذا فإن الاعتماد في صياغة محاور الرؤية وتفاصيلها على أفكار مجموعة محدودة من الناس في عدد محدود من القاعات والمكاتب المغلقة ليست الرؤية التي يريدها الناس. لكي تلبي الرؤية مصلحة الناس يجب ان نعرف ما الذي يريده الناس لأنهم المستفيدون من الرؤية والمعنيون الأوائل بها. يجب ان نعد الاستبانات المناسبة ونترك القاعات والمكاتب ونتوجه إلى الناس في الشوارع والشركات ومجمعات التسوق ونوسع نطاق الحوار والتشاور والاستفسار ليشمل أكبر عدد ممكن من فئات المجتمع وأوسع دائرة ممكنة من الناشطين في التجارة والصناعة والخدمات والإدارة والتعليم وغيرها. في المرحلة التالية يجب ان نجمع الإداريين المحليين في مواقع المسؤولية ومجموعة مختارة من الناس مع أكبر عدد ممكن من الخبراء وأهل الاختصاص من أهم الجامعات ومراكز البحث والدراسة والشركات والمؤسسات المتخصصة في كل فرع من فروع المال والتجارة والتخطيط الاجتماعي والسياسي من كل أنحاء العالم، ونقدم لهم الخطوط العريضة للرؤية ثم نعطيهم حرية مناقشتها والتحاور في شأنها في قاعات الاجتماعات وورشات العمل وطاولات الحوار وتقديم اقتراحاتهم. ويمكن بعد كل هذا فقط ان يعيد القائد النظر في الرؤية ويزيد أو ينقص أو يعدل ويتأكد انه فكر بكل شيء قبل ان يقدمها للناس. ما الذي نريد تحقيقه من كل هذا؟ شيء أريد أن أسميه (التخطيط الجماعي ) planning consensus لأنه نتاج التفكير والتحليل الجماعيين. عندما يتحقق هذا فإن الرؤية تصبح رؤية ميدانية في الصنع وميدانية في التطبيق والأهداف. لماذا يجب ان نفعل كل هذا؟ لأننا نريد ان نعطي التنمية العمق الإنساني الذي تستحقه والأبعاد الإقليمية والدولية لأن هذا المجال الرحب هو المجال المناسب لتطلعاتنا التنموية. علينا أن ندرس المفاهيم الجديدة والمتغيرات المتسارعة في مجالات شتى قبل تحديد خطة عمل واضحة المعالم لمواكبة تلك المتغيرات ومساعدتنا على تحقيق أفضل النتائج والاستفادة من الآخرين في تطوير القدرات الذاتية في مجالات الاقتصاد والعلوم والاجتماع والفكر بما يضمن تعزيز القدرة على المنافسة وتلبية شروط تحقيق النجاح والازدهار. لا يمكن تنفيذ الرؤية من دون الاعتماد على الناس، ولا يمكن ان يسهم الناس في تحويلها إلى حقيقة ما لم يقتنعوا بها ولا يمكن أن يقتنعوا بها ما لم تستجب لتطلعاتهم وتلبي مصالحهم وتبتعد عن التنظير والتعقيد وتتميز بالبساطة والوضوح، لذا يجب ان يعرف كل واحد منهم بأن رأيه مهم في أي رؤية أو خطة، وأن عليه واجب الاسهام في صنعها حتى لو بكلمة واحدة فعندها فقط يصبح المواطن والمقيم الذي يشارك في صنع رؤية دبي جزءاً من دبي. هذه هي خلفية رؤيتنا المرحلية لدبي حتى عام 2010 . إنها رؤية اقتصادية منهجية تتسم بالطموح والشمول وتعتمد في جوهرها على الإنسان، ونعتقد أننا نملك الطاقات والقدرات والرغبة والتصميم على إنجازها في الشكل الذي نتصوره. من أهداف هذه الرؤية : • رفع قيمة الناتج المحلي الإجمالي لإمارة دبي بنسبة 100 في المئة. • رفع متوسط مستوى دخل الفرد في إمارة دبي بنسبة 100 في المئة لكي يصبح الأعلى في الشرق الاوسط ومن بين الأعلى في العالم. • تسريع عملية تنويع القاعدة الاقتصادية من خلال : - رفع نسبة إسهام الانتاج والخدمات في الناتج المحلي إلى 70 ٪ . - رفع إسهام النشاطات التي تعتمد على المعلوماتية والملكية الفكرية في الناتج المحلي الإجمالي إلى 20 ٪ . - رفع الطاقة الاستيعابية لمطار دبي الدولي من مستواها الحالي وهو 24.7 مليون راكب سنوياً لتصل لاحقاً إلى 120 مليون راكب سنوياً. - زيادة عدد السياح ليصل إلى 15 مليون سائح وما يستلزمه ذلك من دعم الأسطول الجوي لطيران الإمارات وفتح خطوط جوية جديدة وزيادة مراكز التسوق والتسهيلات والمنشآت الفندقية والسياحية والترفيهية وتطويرها. • إفراد دور محوري لبنات وابناء الإمارات في الرؤية من خلال تنفيذ عدد من المبادرات المركزة التي ستعزز ثروتنا البشرية وتسهم في احتضان الأفكار ورعاية المشاريع الناشئة وإعداد كوادر مواطنة قادرة على تحمل مسؤولية التطوير. • الالتزام بمواكبة التنمية الاجتماعية التنمية الاقتصادية للمساعدة على صنع التوازن الأمثل في المجتمع وتعزيز دور المرأة فيه وتأكيد القيم الاجتماعية وإشاعة روح التسامح ونبذ التحامل وفق ما يحضنا عليه ديننا الإسلامي الحنيف وأخلاقنا العربية وتراثنا المجيد. • تعزيز قدراتنا على المنافسة دولياً من خلال : - تطوير قطاع الخدمات بما يضمن استمرار الامتياز. - تنفيذ عدد جديد من المشاريع الاستراتيجية مع التأكيد على أهمية إنجازها في أوقاتها المحددة لأن المستفيد الاول هو الذي ينفذ أولاً، ولأن الوقت أهم ما يملكه الإنسان ويمكن تعويض كل شيء آخر إلا الوقت. - متابعة التركيز على تطوير قطاعي التكنولوجيا والاتصالات. - دعم مركز دبي في صناعة المال والاستثمار العالمية من خلال توفير البنية الأساسية عالية المستوى لجذب كبار المستثمرين الدوليين في هذا المجال وتسهيل حركة تدفق رؤوس الأموال وتطوير سوق مالية إقليمية فاعلة وتشجيع عودة رؤوس الأموال العربية المهاجرة. - مساعدة القطاع الخاص على الازدهار من خلال إزالة المعوقات وتوسيع الاسواق وفتح الاسواق الجديدة وزيادة فاعلية القطاع العام وتطوير البرامج والمهرجانات التي تزيد الانتاج والحركة التجارية والسياحية. أعرف ان هذه اهداف طموحة لكني أعرف مكامن قوتنا وضعفنا وأعرف قدراتنا جيداً ولا اقترح شيئاً لا نستطيع تحقيقه. أذكر عندما قدمت رؤيتي لإقامة مدينة دبي للإنترنت والحكومة الإلكترونية وتطوير التجارة الإلكترونية فإن كثيرين قالوا أن إنجاز هذه المشاريع خلال الفترة الزمنية القصيرة التي اقترحتها مستحيل لأن هذا درب جديد لم يسر عليه أحد في المنطقة من قبل. لكنني كنت دائماً متفائلاً، وتمكنا في النهاية من تحقيق كل أهدافنا كما توقعناها باسهام مجموعة من فرق العمل المتميزة التي تحب عملها وتفتخر به، وبإسهام إدارة متمرسة استوعبت دورها ومسؤولياتها جيداً ونهضت بأعباء المهمة الصعبة التي وقعت على عاتقها. |
|
| | #48 (permalink) |
|
vip ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | إنني سعيد بما توصلنا إليه لكن قلت وأقول دائماً هذه بداية لذا فإن تحقيق أهداف رؤية 2010 يستوجب منا متابعة العمل بروح الفريق التي كانت طابع عملنا في دبي وأحد أهم عوامل النجاح في الماضي، واستكمال اتجاهنا الحالي لتعميق دور اقتصاد المعلومات، وتحويل المجتمع إلى مجتمع معرفي، وستكون الأفكار المبدعة أحد أهم العناصر للوصول إلى تلك الأهداف. إنها أيضا اختبار عملي للتأكد من سلامة خطواتنا وتخطيطنا في الماضي. كيف نعرف في المستقبل أننا وصلنا إلى غايتنا؟ عندما نحقق النجاح في إنجاز أهداف الرؤية وعندما يعترف بنا العالم كأعضاء فاعلين في المجتمع الدولي ونقدم نموذجاً ناجحاً لأمتنا العربية تسترشد به وتقتدي. خلف رؤية عام 2010 لدينا رؤية استراتيجية تنموية بعيدة الأمد حددنا اتجاهها انطلاقاً من رؤية 2010 تشمل الفترة حتى عام 2050، ونأمل مع الزمن ان تتبلور رؤية جديدة تأخذ دبي إلى أبعد من ذلك. إن أهم معالم هذه الرؤية تحقيق معدل نمو مرتفع وزيادة المشاركة في النشاطات التجارية والاستثمارية العالمية، والعمل بفاعلية في الإطار الاتحادي لتقويته وتطويره وتعزيز عمقنا الاقتصادي في الدولة والخليج وباقي الدول العربية والعالم. من مرتكزات هذه الرؤية الاستمرار في تطوير اقتصاد دبي بشقيه التقليدي والجديد وتحقيق أفضل تكاملية ممكنة بين القطاعين الخاص والعام، وتعزيز المكانة التجارية الدولية التي تمتاز بها دبي كواحدة من أهم المعابر والمنافذ التجارية في العالم، وتحويل الإمارات إلى مركز عالمي جذاب للصناعات التحويلية عالية التقنية من خلال تدريب كوادر قادرة على تقييم وإدارة المشاريع الصناعية وتسويق منتجاتها بفعالية في الأسواق العالمية، واستغلال الفرص التي يقدمها انتقال الصناعة الدولية إلى مراكز الانتاج ذات الفاعلية الأكبر والكلفة الأقل. إن الدورة الاقتصادية المقبلة ستتميز بنشاطات جديدة تتطلب درجة عالية من التخصص والفاعلية والتركيز، ونعمل لتوفير البيئة المثالية لكي تصبح دبي في المراكز العالمية للشركات التي تنشط في هذه المجالات، وللتعامل بمهنية مع الأدوات والأساليب التي ترفع قدرتنا على المنافسة في عالم لا يعرف اقتصاده الحدود ولا السدود ولا الحماية. من أهدافنا الأخرى : • جعل الإمارات المركز المفضل للمال والأعمال والتجارة والسياحة والتأمين والخدمات خلال الخمسين سنة المقبلة. • جعل الإمارات من دول الصف الأول في اقتصاد المعلومات والأسواق الافتراضية ومركزاً عالمياً لتقنية المعلومات من خلال تطوير الإمكانات الوطنية ومتابعة إبرام الشراكات الاستراتيجية لاستقطاب كبار الناشطين في هذا القطاع، وشركات تطوير التكنولوجيا، وتلك المتخصصة في وضع التصورات الإبداعية والأفكار الجديدة، واصحاب الخبرات والمواهب المتخصصة ذات المستويات العالية. • جعل الإمارات مركزاً خليجياً وعربياً وعالمياً متميزاً للتدريب والتأهيل واكتساب الخبرات المتقدمة ومهارات التعامل مع التقنيات وأنظمة الاتصالات الجديدة. • جعل الإمارات مركزاً للريادة في الاقتصاد الجديد. • التأكيد على الأمن والاستقرار وسيادة القانون في الدولة واستخدام كل المنابر والمحافل المناسبة لإزالة أي انطباعات عن أي مخاوف من الاستثمار في الدولة. • تطوير دور الدولة إقليمياً وعالمياً واستمرار تفردها كمركز للامتياز. العالم الأوسط معظم الاقتصادات الرئيسية في المنطقة التي نطلق عليها عموماً اسم (الغرب) وصل إلى مستوى متقدم من النضج وحقق درجة عالية من الاستيعاب والتقارب النسبي في مستويات التقنية والفاعلية واستغلال الموارد بأنواعها والتزام القوالب والممارسات الاقتصادية المتشابهة. ورغم وجود فوارق كثيرة، بعضها مهم، بين هذه الدول فإنها تشكل في مجموعها كياناً اقتصادياً له سماته الخاصة. ويقابل هذا الكيان اقتصاد له سمات منفصلة في شرق العالم الأقصى، أي في دول مثل اليابان والصين وسنغافورة وهونغ كونغ وغيرها. وبين غرب العالم وشرقه هناك كتلة اقتصادية أوسطية تتألف من اكثر من 30 دولة لا تنتمي في قسم كبير من أشكال تكوينها التنموي وأنماطها الاقتصادية إلى أي من الكتلتين الأخريين تضم دول مجلس التعاون الخليجي وشبه القارة الهندية وشمال الخليج وآسيا الوسطى وبلاد الشام وتركيا وقبرص وشرق افريقيا وشمالها، أي في المنطقة المعروفة باسم منطقة العالم الاوسط الاقتصادية : The Central World Economic Zone (CWEZ) . وينطبق على هذا القسم من العالم ما ينطبق على العالمين الآخرين من جهة تفاوت مراحل النمو بين دولة وأخرى وتباين أنظمتها السياسية والاقتصادية وتركيبتها الاجتماعية والعرقية وقدراتها وطاقاتها ومواردها البشرية والمالية. لكن مهما تختلف الزاوية التي ينظر منها المرء إلى هذا العالم الأوسط فإنه سيكتشف كياناً يشكل ثلث العالم تقريباً في عدد سكانه الذي يقترب من ملياري نسمة ومع ذلك فإن قيمة ناتجه المحلي الإجمالي تقدر نحو 1.5 تريليون دولار، أي 12٪ من قيمة الناتج في الولايات المتحدة (12.4 تريليون) ونحو 40 ٪ من الناتج الإجمالي لليابان الذي يزيد على 3.8 تريليون دولار بينما تقدر قيمة تجارته المنظورة بنحو 700 مليار دولار. أحد أهم الفوائد التي تقدمها دراسة تاريخ الشعوب أنها يمكن ان تعطي مؤشراً، أو مؤشرات، محتملة لما يمكن ان يحدث في المستقبل. إن منطقة العالم الأوسط مهبط كل الديانات السماوية ومهد أهم الحضارات التي عرفها العالم، وموطن مجموعة من أهم مراكز الحضارة والفكر والعلوم والتجارة والبناء. التاريخ الصحيح سجل الإنسانية لذا فإن عمره لا يقاس بعمر الأجيال، وفترة مئتين أو ثلاثمئة سنة ليست أكثر من غمضة عين في نظر التاريخ، وربما فتحها بعد ذلك وإذ بمواطن العصر الذهبي القديم في الحضارة الإنسانية مواطن العصر الذهبي الجديد. المكونات التي صنعت في هذه المنطقة العصر الذهبي للحضارة الإنسانية قبل الف عام هي المكونات الموجودة نفسها اليوم. وشعوب العالم الاوسط التي صنعت العصر الذهبي هي الشعوب نفسها، وأبناؤها في الحاضر ليسوا أقل ذكاء وابتكاراً من أجدادهم قبل عشرة قرون، لذا لا يوجد في العالم الأوسط ما يمنعه من تحقيق تقدم اقتصادي يعادل التقدم الموجود في الكيانين الآخرين إذا توصل إلى الصيغ التنموية المناسبة، ويمكن بسهولة تصور الإمكانات الهائلة التي تعد بها هذه المنطقة في المستقبل عندما لا تقتصر حصتها من العالم على ثلث عدد سكانه بل على ثلث ثروته. أين برهاننا على إمكان حدوث مثل هذا التقدم؟ |
|
| | #49 (permalink) |
|
vip ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | الإمارات. لقد إنجزنا البنية الأساسية للاقتصاد الجديد وطورنا الخدمات، ونحن نواكب اتجاهات التحولات الجذرية في الاقتصاد العالمي ونتفاعل معها بوعي وكفاءة وسرعة لهدف كبير هو ترسيخ مكانة الإمارات على المستويات كافة وتعزيز دورها كبوابة دولية للمال والأعمال والتجارة والتقنية والسياحة، لذا نعتقد ان ما حققناه وما سنحققه في المستقبل برهان على إمكان تكرار هذه التجربة في دول العالم الأوسط الذي يحيط بدبي وبالإمارات. أبعد مسافة تفصلنا عن هذه الدول يمكن قطعها في نحو أربع ساعات طيران، وكل مواطني تلك الدول أشقاء أو جيران أو شركاء في بناء الحضارة والتجارة منذ مئات السنين. دبي حققت الكثير وأمامها الكثير الذي سيتحقق بإذن الله وأثبتت أنها تستطيع مضاهاة الموجود في أكثر الدول تقدماً لذا نعتقد أننا نقدم لدول العالم الأوسط نموذجاً تنموياً مناسباً يمكن تعديله وتبنيه وفق ما تقتضيه الظروف المحلية، ونعتقد أنها مثال مناسب، وعنصر تغيير إيجابي تستطيع المنطقة التطلع إليه باطمئنان لأننا جزء لا يتجزأ من هذا الكيان العملاق. دبي كانت محطة على الطرق التجارية بين الشرق والغرب لكنها الآن محطة نهائية تبدأ منها الطرق المؤدية إلى الجهات الأربع. دول العالم الأوسط تحتاج إلى عاصمة اقتصادية ولا نعتقد فقط أننا نستطيع القيام بهذا الدور لأننا نملك البنية الأساسية ذات المستوى العالمي بل لأننا نؤدي قسماً مهماً منه الآن، وسنواصل تطويره في المستقبل إلى ان تتحول دبي إلى عاصمة اقتصادية للمنطقة. ما هو الإثبات ؟ عدد الرحلات الجوية بين دبي وحيدر آباد ومومباي (بومباي) يزيد على عدد الرحلات بين حيدر آباد ومومباي. عدد الرحلات بين دبي وبريطانيا (92 رحلة اسبوعياً) يماثل عدد الرحلات بين بريطانيا وكل العواصم العربية، ونسير 49 رحلة أسبوعياً إلى استراليا وسنستمر في توسيع شبكتنا التي تضم 78 محطة في 54 بلداً. إن قسماً كبيراً من 24.7 مليون مسافر تحط طائراتهم في مطار دبي الدولي يستخدمون دبي (منصة) ينطلقون منها إلى دول أخرى للتجارة وأداء الأعمال وعقد الصفقات وإدارة المشاريع، والشركات الموجودة في دبي تتعامل مع تجار من الهند وباكستان وافريقيا والدول العربية وعشرات الدول الأخرى بينما البضاعة موجودة في كل دول العالم، وهناك شركات دولية كثيرة تخدم منطقة العالم الأوسط من خلال مراكز التخزين والتوزيع وخدمات ما بعد البيع الموجودة في دبي. إن من يستعرض النشاط التجاري لإمارة دبي خلال السنوات الخمس الماضية سيرى التغير الكبير الذي طرأ على تكوينه في اتجاه تحقيق الدور الذي نريد لدبي أن تعلبه في المستقبل. ومنذ سنوات قليلة فقط كان أهم شركاء دبي التجاريين بالنسبة للواردات الدول التجارية التقليدية الكبيرة مثل اليابان والولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا لكن الصين حلت أولاً في العام 2004 (18 مليار درهم) وبعدها الهند (17 ملياراً) ثم اليابان (10 مليارات) بينما احتلت الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا المراكز اللاحقة. وفي الوقت نفسه نجد أن معظم أكبر عشرين دولة في تجارة الصادرات وإعادة التصدير موجود في دول العالم الأوسط مثل الهند (2.1 مليار دولار في 2004)، وإيران والعراق واليمن والسعودية واندونيسيا وتركيا وباكستان والصومال وتنزانيا وغيرها. أعتقد أن دبي لا تقدم لكل تلك الدول مركزاً اقتصادياً متميزاً يستطيع تلبية حاجاتها التنموية فقط بل تقدم لها الأمل في إمكان تحقيق التنمية المتميزة بالتفاؤل نفسه والعزم والثقة بالنفس والشجاعة. كل ما يتطلبه نهوض هذه الدول مرة أخرى موجود : المصادر الطبيعية، المال، البشر، المواهب، المهارات، الطاقات، روح التجارة الحرة، القدرة على التطوير وصنع الثروة، السوق الاستهلاكية الكبيرة وغيرها. ما ينقصها هو وعي مكامن قوتها وقدراتها والالتزام المناسب لاستخدام كل هذه العناصر لصنع العصر الاقتصادي الذهبي الجديد. العــرب في العالم الأوسط عالم أصغر يختلف في معظم هياكله ودرجات نموه وعلاقاته الاقتصادية عن الغرب والشرق إلا أنه يتميز مثل باقي دول العالم الأوسط بتوافر كل العناصر الضرورية لصنع عصر ذهبي جديد، ويضيف إلى ذلك تمتعه بمكونين من أربعة مكونات أساسية لصنع الدول القوية هما الدين واللغة المشتركين، بينما لا يزال يفتقد المكونين الآخرين وهما العلم الواحد والقيادة القوية. لا توجد في العالم العربي فجوة حضارية أو ثقافية أو عرقية، أو ذاك الاختلاف الكبير في العادات والتطلعات والأذواق والسلوكيات الاجتماعية والاستهلاكية الموجود في العوالم الأرضية الاخرى. لكن ما لا يوجد فيه هو الوعي الكافي بأن استمرار انجذاب الدول الأخرى المحيطة بهم إلى التجمعات الاقتصادية والاستهلاكية الأبعد يفرزهم تدريجياً عن الكتل الأخرى وينذر بمخاطر قادمة. إنه ينحسر بعيداً عنهم ليبقيهم جزيرة معزولة لا تمتد بينها وبين المناطق الأخرى الجسور التجارية والاقتصادية التي كانت قائمة في الماضي. أين هو العمق الاقتصادي العربي اليوم؟ ما هي قيمة التجارة البينية بين الدول العربية؟ ماذا حل بفكرة السوق العربية الواحدة؟ إن لم يكن الجواب على هذه الأسئلة : لا شيء، فهو ليس كثير البعد عن لا شيء. لا يوجد تعاون إقليمي كما يجب، ولا يوجد تعاون عربي كما يجب، ولا تعاون كما يجب بين العرب وجيرانهم أو بين العرب والعالم. يوجد بيننا من احتراف تذكيرنا بنقائصنا ونقاط ضعفنا كأنه الوحيد الذي يعرفها، لكننا لا نريد مزيداً من الطاقة السلبية. نريد ان نكون إيجابيين ونريد أن نكون متفائلين ونريد ان نحقق الرؤى الاقتصادية ونفوز لذا نريد من يذكرنا بنقاط قوتنا ويدلنا على النماذج التنموية التي تصنع من الرؤية واقعاً. مثل الغزال والأسد في مطلع هذا الكتاب لدبي والإمارات أولاً لكنه كل العرب أيضاً. الغرب متقدم علينا باقتصاده لا بحضارته، وأساس هذا التقدم إتقان استخدام الآلة. معظم المشاكل في الدول العربي نمطية مما يعني أن حلها في دولة يسهل حلها في دولة أخرى، وما لا يمكن حله الآن يمكن حله في المستقبل لذا المهم ان نبدأ لأن الوقت المثالي لبناء التنمية دائماً هو الآن. نحن في دولة الإمارات كنا لا نملك الكثير وبقيادة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، صرنا نملك كل ما تطمح إليه الدول المتقدمة : التجارة سليمة والصناعة سلمية والزراعة والأمن والاستقرار. الدول التي كانت تتخطانا في التنمية والازدهار أصبحت خلفنا الآن وبدأنا نضاهي الامتياز في الدول المتطورة. لا تقولوا رجاء ان دبي مدينة وان الإمارات دولة نفطية صغيرة لذا تستطيع ان تفعل كل هذا. الرؤية الصحيحة والفاعلية وإتقان استخدام الموارد المالية والبشرية لا علاقة لها بالحجم أو النفط. توجد دول نفطية كثيرة لا تحتمل درجة نموها المقارنة بنمونا، والشركة الصغيرة التي تحقق الأرباح العالية أفضل بكثير من الشركات العملاقة التي لا تحقق الربح. أعمدة نهضة الغرب خلال الحروب الصليبية وبعدها قامت على المدن : البندقية وجنوا ومارسيليا وبيزا وغيرها، وأكبر نسب النمو في العالم يتحقق في اقتصادات المدن مثل دبي وهونغ كونغ وسنغافورة بينما تقود حفنة من المدن مثل نيويورك ولندن وفرانكفورت اقتصادات الدول الموجودة فيها وتهيمن على حركة المال والاستثمار في معظم دول العالم الأخرى. قلت في مكان سابق أن هناك فرصة تاريخية لكي يفيق العالم العربي من غفوته ويصبح رؤية وحقيقة. أعتقد أن قدر هذه الأمة هو ان تصبح أمة عظيمة مرة أخرى، وليس مهماً في هذه المرحلة بالذات التقرير ما إذا كان هذا الاعتقاد حلماً أو رؤية. كل سنوات تخلفنا الماضي غمضة واحدة من عين التاريخ. هل هذه نظرة تفاؤلية؟ طبعا لكنه تفاؤل الحقائق وليس تفاؤل الأوهام. لدينا كل شيء لبناء صرح كبير لكن هذا لا يعني شيئاً على الإطلاق الآن. الدعائم قوية لكنها ممددة على أجنابها، والنوافذ كبيرة لكنها مغلقة، والجدران عالية لكنها تفصل بين بعضنا بعضاً لذا يجب ان نجد القيادات المناسبة التي ترفع هذه الدعائم نحو السماء وتفتح النوافذ على العالم وتنقب في الجدران الأبواب التي يطل منها العربي على العربي للاشتراك في صنع التنمية الصحيحة. هل نستطيع ان نفعل هذا؟ أنا واثق أننا نستطيع لكن علينا أولاً ان نستعيد تلك الخصلة التي أضعناها : الريادة. الريادة في القيادة : على القائد العربي ان يكون وفياً لشعبه وبلده، وملتزماً بتحقيق أحلام وطموحات شعبه وفق رؤية واضحة تواكب العصر. الريادة في المجتمع : يجب ان نزيل مظاهر التخلف وكل العتيق والبالي الذي لم يعد مناسباً اليوم. يجب فتح الحوار مع الحضارات الأخرى، ويجب إزالة كل أوجه سوء الفهم وتعزيز التعاون والصداقة مع الشعوب الأخرى، ويجب تحقيق الريادة في الصناعة والتقنية والتجارة والتعليم والثقافة وكل شيء آخر. انسوا الضوضاء الصاخبة من حولنا، وتجاهلوا التهديدات، وصموا آذانكم عن حديث الحروب والتوتر، والكلام الفارغ عن صراع الأديان والحضارات. المنطقة مقبلة على ازدهار اقتصادي لم تعرفه من ألف عام ولا تحتاج إلى جهد غير عادي لاستكمال وصفة صنع الدول العظمى : الأمن وسيادة القانون والقرارات الاقتصادية الصابئة والابتعاد عن الارتجال في التخطيط والتنفيذ والكف عن لوم الآخرين على قصور نحن سببه الأول. إرضاء الناس شيء وإرضاء مصلحة الوطن شيء آخر، والاستفادة من حناجر الناس وهتافاتهم يجب ألا تصبح سياسة مقصودة في هذه المرحلة. الإدمان على إضاعة الفرص العظيمة علاجه العودة إلى اقتناص الفرص المتاحة وإتاحة المجال لصناعة الفرص التنموية الأعظم، والسياسة التي يجب استقصادها والإصرار عليها هي إعداد أنفسنا للسباق الاقتصادي الكبير والفوز في هذا السباق |
|
| | #50 (permalink) |
|
vip ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | خاتمة الكتاب مع إطلالة كل صباح في افريقيا يستيقظ الغزال مدركاً أن عليه ان يسابق أسرع الأسود عدواً وإلا كان مصيره الهلاك. ومع إطلالة كل صباح في افريقيا يستيقظ الأسد مدركاً ان عليه ان يعدو أسرع من أبطأ غزال وإلا أهلكه الجوع. لا يهم إن كنت أسداً أو غزالاً فمع إشراقة كل صباح يتعين عليك ان تعدو أسرع من غيرك حتى تحقق النجاح. تحقيق النجاح يتطلب القرار الصائب في الوقت الصائب والقرارات الصائبة خلال معظم نصف القرن الماضي أساس نجاح دبي، ونحن واثقون من ان القرارات الأحدث ستكون أساس نجاح دبي في المستقبل. من حق كل إنسان ان يحلم وان تكون له رؤية وهدف ووقت معين للوصول إلى هذا الهدف. كل القيادات تحلم لكن القائد الحقيقي هو الذي يجعل الحلم رؤية والرؤية حقيقة. الرؤية هي التنمية لكنها الشجاعة وفعل المستحيل أيضاً. إنها تقول : نستطيع أن نفعل كل هذا. إنها الثقة بالله ثم بشعبنا ثم القول : سنحقق كل هذا بإذن الله. إنها وضوح الهدف ثم تحقيقه بعزم وفاعلية وسرعة. إنها الإصرار على استمرار العمل إلى ان يرى أبناؤنا بلدهم وقد أصبح يضاهي أبرز المراكز الاقتصادية في العالم. أعتقد أنني قدمت في هذا الكتاب براهين كافية تؤهلني للقول باطمئنان ان هدف تحقيق الامتياز هدف واقعي يمكن تحقيقه. أعتقد أيضاً ان الانتقال بالإمارات من دورها كمركز اقتصادي إقليمي إلى دورها الإضافي كمركز اقتصادي عالمي تطور طبيعي لأن الازدهار الاقتصادي الذي ننعم به في دولة الإمارات أصبح يحتاج إلى زخم جديد يحد من الاعتماد على الموارد الطبيعية ويعظم الاعتماد على الخدمات المتميزة والسياحة واقتصاد الفكر والمعرفة والطاقة البشرية ويحقق معدلات التنمية التي نطمح إليها. إلا اننا لا نريد في الوقت نفسه ان نجد أنفسنا في المستقبل رهن أي مصدر أساسي للدخل مهما يكن لذا يجب ان نعمل من الآن على تنويع المكونات الاقتصادية في أوسع حلقة ممكنة والاستعداد دائماً لاقتناص الفرص وصنعها. منذ زمن ليس ببعيد كان هدفنا اللحاق بالركب وقد تجاوزنا بنجاحاتنا هذا الهدف بكثير. نريد الآن الريادة. نريد هذه الريادة كاملة لا نقصان فيها ولن نرضى عنها بديلاً، ثم سنريد استبقاءها لنا ولجميع العرب. للحاق بالركب ثمن ولتحقيق الريادة ثمن آخر أكبر بكثير. تعلمنا من أجدادنا أن اللؤلؤ لا يطفو على السطح. يجب ان نغوص من أجله، لذا يجب ان نكون مستعدين لكل شيء. لقد أثبتت الإمارات أنها تستطيع تحويل الأفكار إلى حقائق والمنطقة الحرة في جبل علي وطيران الإمارات ومركز دبي المالي العالمي وعشرات المشاريع المتميزة خير دليل على ذلك. إن العالم المقبل عالم مثير ستكون الريادة فيه لمن يملك البدائل المناسبة والمرونة والإبداع والأفكار الخلاقة والاستعداد السريع للتأقلم مع التغيير. لا توجد دولة في العالم لا تريد ان تحقق الريادة، ولا توجد دولة لم تستعد للسباق الكبير القادم الذي يمكن أن يتحول إلى أكبر سباق اقتصادي عرفه العالم حتى الآن. أعتقد أن هدف تحقيق الفوز في هذا السباق جواب مناسب عن سؤال سمعته من كثيرين هو : هذه التنمية السريعة المتسارعة التي تقودها في دبي إلى أين؟ ، لكنه ليس الجواب الوحيد. الأجوبة الأخرى تتصل بنوع التربية التي نشأ عليها الإنسان، وما هو حافزه في الحياة وماذا يريد منها بالضبط. إذا كان حافزي هو تقدم شعبي وبلدي ووضعهما في المكان الذي يستحقانه فأين عليّ ان أتوقف يا ترى، وما هو نوع هذا التقدم الذي سنحققه ان توقفنا؟ البعض كان يمزج شكوكاً سمعها بحقائق يراها بعينيه ويسأل : أنت صاحب رؤية تنموية لدبي فماذا سيحدث لهذه الرؤية لو غاب صاحبها لأي سبب من الأسباب؟ وراء هذا السؤال الذي يعتبره البعض كبيراً سوء فهم صغير. صحيح أنني أدير وأوجه وأخطط وأساهم في التنفيذ لكن أريد هنا أن أوكد للجميع ان محمد بن راشد لم يكن يستطيع القيام بأي شيء لولا الثقة التي وضعها إخواني فيّ ولولا تأييدهم ودعمهم المستمر. محمد بن راشد ما كان يقدر على فعل أي شيء من دون فرق العمل التي يقودها ومن دون دعم القطاع الخاص. أنا لم أحقق بذاتي كل هذا النجاح، هم الذين حققوه. من أقصد بـ (هم)؟ كل فرد في كل قسم من كل دائرة حكومية، وكل تاجر في القطاع الخاص وكل ناشط فيه وكل من أسهم معنا في تحقيق ما سبق من أهدافنا في أي قطاع أو مكان وُجد فيه. إذا تفاخر الإنسان بما وجد قصر بما لا يوجد ونحن في بداية الطريق. الوقت ليس وقت من يريد أن يثب ويرفع يده ويقول : (أنا! ، أنا!) فالمسيرة مستمرة والعمل الذي ينتظرنا أضعاف أضعاف العمل الذي أديناه حتى الآن، لكن يجب ان أعطي القطاع الخاص حقه وأقول إن ما تحقق لا تقدر الحكومة على تحقيقه مهما تبلغ قوتها لذا فإن النجاح نجاح للقطاع الخاص أولاً ثم للحكومة وكلاهما وجهان لنجاح واحد هو نجاح دبي والإمارات وكل من يتمنى النجاح لنا ونتمناه له. أنا سألت نفسي السؤال ذاته الذي سمعته من آخرين وتوصلت إلى الجواب واطمأننت إلى صحته لذا لم أطرحه إلى نفسي مرة أخرى. ماذا سيحدث للرؤية إن غاب صاحب الرؤية؟ لا شيء. رؤيتي لدبي أصبحت رؤية دبي لنفسها لذا ستستمر لان دبي ستستمر. البعض الآخر كان يمزج شكه بيقينه ويسألني ان كنت مقتنعاً بقولي أن دبي تستطيع منافسة مراكز التميز الدولية في أميركا وأوروبا واليابان. جواب الآن هو جوابي نفسه في الماضي : ليس عندي أدنى شك بان دبي قادرة على الوصول إلى هذه المرتبة وستصل إن شاء الله وهذا أقوله بكل حزم وثقة وقوة. لكن هذا ليس هدفنا النهائي. نحن لسنا في سباق مع الآخرين فقط بل في سباق مع أنفسنا وفي سباق مع الزمن. الدنيا فرص تغتنم ولا تترك، والتنمية لا تتوقف لذا ليس لها أين أو متى. دبي جزء من الإمارات والإمارات جزء من العالم العربي والعالم العربي جزء من العالم لذا فإن الرؤية بلا حدود لأن الأفق بلا حدود فكلما اقترب الإنسان منه رسم الافق لنفسه حدوداً جديدة يجب على صاحب الرؤية ان يواكبها بتطلعات جديدة لكي يسهم هو وبلده في صنع الفرص الإنسانية الواسعة. سندفع الرؤية في طريقها الصحيح وسنطورها دائماً ومن يأتي بعدنا لا بدّ ان يتابع الطريق ومن بعده ومن بعده إلى ان يرث الله الأرض ومن عليها. هل ستكون الرؤية نفسها؟ طبعاً لا. رؤيتي اليوم ليست الرؤية الأولية نفسها قبل عشرين عاماً، ولا يمكن ان تنفتح الرؤية على التقنيات الحديثة والتجارة الإلكترونية والإنترنت والعولمة ثم تبقى كما هي لأنها إن بقيت كذلك فستكون رؤية متخشبة لا مرونة فيها ولا أفق لها لذا لن تناسب العصر ولن تناسب الناس. عندما تتغير الرؤية ستتغير خطة العمل وطرق التنفيذ. كل فرق العمل التي أديرها في عملية التنمية اعتمدت الطرق الحديثة واستوعبت الخبرات والمعرفة المتراكمة بسرعة ووظفتها في خدمة أهدافنا فازداد الإنتاج وصار الإنجاز أسرع بكثير من ذي قبل. أريد لقادة الفرق والإداريين الكبار اكتساب كل المعارف والمهارات الممكنة في أوسع نطاق ممكن، وعندما أنقل أحد هؤلاء إلى قطاع جدي سيحمل معه المهارات والخبرات التي اكتسبها في قطاعه السابق ويضيف إليها. هذه عملية لا تتوقف لذا فإن اكتساب المهارات لا يتوقف ومثله التوجيه المستمر وزيادة الفاعلية واختصار الوقت والجهد والتكاليف. وما هي المحصلة النهائية لكل هذا؟ لو دارت دورة الزمن لاستطعنا الآن أن نحقق كل ما حققناه خلال العشرين سنة الماضية في خمس سنوات فقط، إلا أن اكتساب الخبرة لم يتوقف لذا سنضاعف خلال السنوات الخمس المقبلة كل ما حققناه خلال العشرين سنة الماضية. إذا استعظم البعض علينا هذا الهدف الجديد واتهمونا بأننا نقضم أكثر مما نستطيع بلعه ثم عادوا وسألوا : إلى أين يا دبي؟ سأقول لهم الآتي : هل تعرفون دبي جيداً؟ هل تعرفون كل الإنجازات التي حققناها خلال العشرين سنة الماضية؟ هل تثقون بمصداقية دبي التي يثق العالم بها اليوم؟ إن كنتم تعرفون كل هذا فاسمعوا : لا توجد في دبي اليوم دراسة تنموية دقيقة لا لأننا لا نستطيع ان نعدّ مثل هذه الدراسات بل لأن الدراسة لا تنتهي على الورق إلا وكانت وتيرة الإنجاز التنموي على الأرض تجاوزتها بأشواط. إن لم تعط هذه الحقيقة فكرة عما سيحمله المستقبل إلى دبي فاسمعوا : الحياة فرص، والفرص الكبيرة لا تطرق الأبواب فمن يريدها عليه ان ينتزعها انتزاعاً ويكتسبها لشعبه ولنفسه، وعلى الإنسان ان يتسلح بروح القوة وصلابة الإرادة والعزيمة والرغبة في انتزاع الفرص الكبيرة لكي لا يعيش على فتات الأسود. لن أرك فرصة في انتظار فرصة أخرى لكننا لم نصل إلى المركز الذي نتمناه. كل ما وصلنا إليه لا شيء بالنسبة لرؤيتي. كل ما ترونه ليس إلا بداية الطريق. كل ما ترونه مواقف صغيرة تؤدي إلى المحطة الكبيرة، وكل ما ترونه مجرد لبنات القاعدة التأسيسية لما هو قادم ومنها سنصنع الصرح الكبير الذي أريده لشعبي ثم سأتمنى من الباقين ان يفعلوا الشيء نفسه في الدول العربية الأخرى لكي نبني التنمية العربية المتميزة، وهذه يد الإمارات بيدكم فلنبدأ. أعرف ان الطريق إلى ما نخطط له من التنمية والتحديث والبناء شاق وأعرف أنه طويل وأعرف ان المراحل القادمة أصعب وأطول وأهم لكنني أؤمن بربي ثم أثق بشعبي وبحكمة قيادتي وبمستقبل أمتي وأنا واثق من أننا سنحقق كل أهدافنا بإذن الله. رؤيتنا واضحة وطريقنا ممهد والساعة تدق، ولم يبق مجال أو وقت للتردد أو أنصاف الأهداف والحلول. كثيرون يتكلمون ونحن نفعل، والتنمية عملية مستمرة لا تتوقف عند حد، والسباق نحو التميز ليس له خط نهاية. |
|
![]() | |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) |
|---|
| أدوات الموضوع | |
| |